الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العَلَم الزائف.. قصف ميناء الفحل وما قبله

بواسطة azzaman

العَلَم الزائف.. قصف ميناء الفحل وما قبله

حسن عبيد عيسى

 

عمليات العَلَم الزائف  Flase Flag ،أو الراية الكاذبة ،هي أعمال تضليل سياسية أو عسكرية تنفذها جهة ما ضد جهة أخرى بسرية تامة وتكتم شديد ،حتى لا يُعرف القائم بها ،يراد من ورائها القاء المسؤولية على طرف ثالث ،وقد يوجّه طرف ما تلك الأعمال ضد نفسه ليتّهم خصمه بها فتكون ذريعة للحرب والشواهد أكثر من أن تحصى ..لذا فالسرية والكتمان هنا مطلوبان وبشدة حتى يبقى التعتيم على الفاعل هو سيد الموقف.

أما أصل التسمية ،فهو ما كان القراصنة يقومون به من تمويه لسفنهم وإخفاء العلم المميز لهم والخاص بهم (الجمجمة وأسفلها عظمتان متقاطعتان) وكذلك الألوان التي يعرفون بها، ورفع علم دولة معينة بدلا من علمهم ،بهدف خداع البحارة الذين يمخرون عباب البحر وجعلهم يطمئنون عندما تقترب منهم سفن القراصنة فتحاصرهم وتجبرهم على الإستسلام.

ما شجعنا على طرح هذا الموضوع ،هو تكرار قيام جهة مجهولة بقصف بعض دول الخليج سواء خلال سيولة الأعمال الحربية ضمن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ،أو خلال الهدنة التي تسود جبهات القتال حالياً .ففي صباح الجمعة ، السادس من حزيران الجاري ، أعلنت سلطنة عمان ،أن ميناء الفحل تعرض لقصف مجهول الفاعل ،بواسطة طائرة مسيرة .. فلماذا ميناء الفحل تحديداً؟

ميناء الفحل (كان يُعرف باسم سيح المالح) قريب من العاصمة مسقط ويقع شرقها ،هو موقع إستراتيجي من حيث الوظيفة والمكونات ، فهو ميناء متخصص في تحميل النفط الخام ومنتجات النفط المكرر ،وهو يضم مصفاة نفط رئيسة من ممتلكات شركة نفط عمان التي تتخذ من هذا الميناء مقراً لها ،والمصفاة التي بدأت بالعمل منذ 1982 ،تجاوز انتاجها 115 ألف برميل يوميا ، يصدر بعض انتاجها على ظهور عوامات متطورة ،من هذا الميناء الذي تزداد أهميته كونه خارج عنق الزجاجة التي يمثلها مضيق هرمز..فهو من خلال هذه الحقائق يبدو وكأنه عصب انتاج وتصنيع وتصدير النفط العماني ومصدر الدخل الآوفر للسلطنة ،من هنا تتضح لنا الأهمية الإستراتيجية للميناء المستهدف. فالهدف المُتَوَخّى في الميناء هو نقطة بين رصيفي تحميل ،مما تسبب بتوقف تحميل النفط.

عملية التحميل

ما أفشل مسعى الجهة القائمة بالقصف ،أن عناصر الميناء سارعوا الى إصلاح الخلل وواصلوا عملية التحميل . وقبل أن نتعمق في فهم مادة العنوان الذي اخترناه لهذا السطور ،لابد من التذكير بأن ترامب هدد سلطنة عمان بأنه سيفجرها  عقاباً لها على موقفها من حربه على إيران ،وعلى الرغم من أنه لم يعلن أن هو من أقدم على قصف الميناء ،إلا أن التذكير بتهديده هو جزء من السردية التي يُصنع منها تاريخ هذا الحدث.

ولقد عشنا فصلاً من التوتر في العلاقات بين العراق والإمارات في الشهر الماضي بعد أن تعرضت بعض أجزاء تلك الدولة الى قصف مجهول الفاعل ،إذ استهدفت ثلاث مسيرات محطة كهرباء نووية يوم 17 مايو الماضي أُسقطت اثنتان منها ،وجاء ذلك ضمن نشاط شمل تسلل ست مُسيرات الى أجواء تلك الدولة خلال 48 ساعة ، إدعت الامارات أنها قدمت من الغرب ،لذا كانت بعض الفصائل المسلحة في العراق ،من بين الجهات التي وجهت لها الامارات تهمة القصف ،ولقد بعث العراق بفريق متخصص ليساهم بالتحقيق في ظروف تلك الواقعة ،مع أن  المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي ،أفاد بأن «منفذي الهجوم على محطة الطاقة النووية في دولة الامارات ،كانوا يدركون تماما ما يفعلونه»..مما يجعل التشكيك في أن الفاعل مليشيات عراقية تجهل طبيعة المواقع التي تعمل بالطاقة النووية ،أمراً مقبولاً.. خصوصاً وأن عناصر من الموساد ثبت تسللهم الى بعض دول الخليج.

بينما في أول أيام الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أي يوم 28 شباط 2026 ، قصفت مدرسة للأطفال في مدينة ميناب ما أودى بحياة 155 طفلة ويقال 180 ،عدا اللاتي أصبن ، وفي الحال وجهت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) على لسان قائدها الادميرال براد كوبر ، التهمة الى ايران ،مدّعياً أن صاروخ أرض جو إيراني ،فشل في مهامه التي أطلق من أجلها فسقط على المدرسة ،وسرعان ما ظهر الدليل من خلال التعرف على حطام الصاروخ وهو كروز من طراز توماهوك ، فإعترف الطرف الأميركي بمسؤوليته ،متذرعاً بحجج لا يقتنع بها أحد.

بينما شهدت أيام الحرب أموراً غير عادية ، منها ما أعلنه المذيع الأميركي الأشهر تاكر كارلسون في برنامجه من أن «دولاً خليجية اعتقلت عملاء من الموساد « وحدد تلك الدول ،وهو ما نعرفه ،إنها السعودية وقطر وفسر فعل الموساد بأن «إسرائيل أرادت أن تزرع الفوضى والاضطراب في تلك الدول» ولم يخفِ أن الطريقة المتبعة ،كانت تتضمن القيام بإحداث تفجيرات في تلك الدول ومن ثم توجيه الأنظار صوب ايران ،لزيادة انغماس تلك الدول في الحرب معها.

 

  بقية المقال على الموقع الالكتروني لجريدة (الزمان)

وضمن ذلك يأتي قصف مطار الكويت وقاعدة علي السالم ،الذي سارعت إيران نفيه ،بينما لم تجد الكويت في ساحة الاتهام غير ايران ،خصوصا وإن دائرة الاتهام المحيطة بإيران واسعة ،فالبيان الكويتي يشير الى ايران (والفصائل والمليشيات والجماعات المسلحة الموالية لها).

ولما كانت غزة هي الجرح الأعمق والأكثر إيلاماً ،فإننا قادرون على إستلال أمثلة عديدة لرايات زائفة متعدة ،في مقدمتها قصف مستشفى المعمداني في غزة يوم 17 تشرين الأول 2023 ،والذي استشهد في ساحته ،التي كانت هدفا للعدوان خمسمائة فلسطيني ،مع مئات من الجرحى .. وحالاً ، اتهم جيش الإحتلال المقاومة بأنها أطلقت صاروخاً فشل في متابعة مساره فسقط في ساحة المستشفى ،مع أن طبيعة القتل التي نجم عنها الإنفجار لا تقنع أحدا أنه من صواريخ المقاومة بسبب طبيعتها الغريبة حتى على الأطباء ،ناهيك عن شهاداتهم بأن قوات الإحتلال هددت المستشفى بالتدمير منذ يومين وأخبر أطباء المستشفى جهات عديدة منها السفارة الأميركية على أمل أن يحصلوا منهم على وعود بالحماية. فمن تاريخ عمليات العَلَم الزائف ،قيام هتلر بتجهيز سرية من القوات الخاصة الألمانية بتجهيزات بولندية ،من ملابس وأسلحة وما الى ذلك وتكليفهم بمهمة غاية في السرية .

تتضمن تدمير محطة بث إذاعي المانية تدعى سيندر قرب الحدود مع بولندا ليل الحادي والثلاثين من آب 1939 ،ضمن عملية عرفت تاريخياً باسم واقعة ﮔﻻيفيتز ،وإسم الواقعة مأخوذ من إسم القرية التي وقعت فيها...كانت العواقب هي هياج شعبي الماني يطالب بشن الحرب على بولندا والتي صارت بعد وقوعها ،الشرارة التي فجرت الحرب العالمية الثانية.

وكما فعل هتلر ،فإن ستالين نفّذ عملاً مشابها ،إذ أن قوة مجهولة هاجمت قرية ماينيلا في 29 تشرين الثاني 1939 ،وهي قرية تتبع حاليا سانبطرس بورج ،اتهم ستاين فلندا بالهجوم فشن عليها ماعرف تاريخياً بحرب الشتاء .تبين لاحقاً أن القوة المجهولة كانت قوة سوفيتية.

أما الحرب الأميركية الفيتنامية التي أمتدت لسنين صعاب ،فإنها بدأت بحادثة مثيرة للريبة ،عندما أعلنت القيادة الأميركية في سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية وقتذاك ،أن زوارق حربية من فيتنام الشمالية ،هاجمت مدمرتين أميركيتين في خليج تونكين يومي 2 و4 آب 1964 ،ما حدا بالرئيس الأميركي جونسون الى أعطاء الضوء الأخضر لشن غارات عنيفه على سايغون عاصمة فيتنام الشمالية وقتها وباقي مدن تلك الدولة..ومن تلك الحادثة بدأت حرب إمتدت لأكثر من عقد..

الآن صار المؤرخون على علم أن حادث ميناء تونكين مختلق ،وعلى الرغم من أن تقرير وكالة الأمن القومي الأميركي الصادر عام 2005 نفى مسؤولية فيتنام الشمالية عن الهجوم المزعوم ،الا انه لم يوضح حقيقة القائمين بالهجوم ،وهم مجموعة مرتزقة استأجرتهم القيادة الأميركية ليمثلوا دور مهاجمين قادمين من فيتنام الشمالية ..ترى هل سنقف على إعتراف أميركي يفيد بأن أحداث 11 أيلول 2001 لم تكن هجوماً معادياً على مركز التجارة ومركز القوة الأميركية (البنتاكون)؟..ولو بعد حين..

وفي الحرب التي مازالت قائمة بين روسيا وأوكرانيا ،برزت الى السطح إتهامات أوكرانية معضّدة من جانب الغرب بقيام روسيا بقصف أهداف مدنية تحت ستار من التخفي ،ومن ذلك قصف روضة للأطفال في دونباس ،وهو الأمر الذي أنكرته روسيا تماماً.

دفع ذلك الهجوم الغرب على الإلتئام في قاعة مجلس الأمن ،حيث وقف وزير الدولة البريطاني جيمس كليفرلي ليذكّر العالم بحوادث العلم الزائف ،ومنه قوله «إن عملية العلم الزائف ليست غير خدعة مستلة من كتاب قواعد أللعبة في الكرملين».وهو هنا بلا شك يشير بشكل غير مباشر الى واقعة ماينيلا 1939.              

الآن والتطور العلمي الذي طبق رعبها الآفاق ،وغير المسيرات من وسائل فتاكة وخفية كالروبوتات وأنواع معقدة من الصواريخ وسواها ،مما تزداد تطورا كل يوم ،فكيف سيكون العَلَم الزائف في قابل الأيام ؟..            

 


مشاهدات 43
الكاتب حسن عبيد عيسى
أضيف 2026/06/16 - 12:21 AM
آخر تحديث 2026/06/16 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 135 الشهر 14917 الكلي 15890398
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير