الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
داخل منجم روماني

بواسطة azzaman

داخل منجم روماني

سعد العبيدي

 

عند الحلول في مكان لأول مرة، لا تلتفت بعض العقول إلى حاضره بقدر ما تبحث عن الأثر الباقي من الأزمنة التي مرّت به؛ كأن الإنسان، قبل الانسجام مع المكان، يحتاج أولًا إلى معرفة طبقاته المختبئة تحت صورته الحالية. فالأمكنة، أينما كانت، لا تخلو من ذاكرة كامنة في حجر أو نفق أو جدار مُهمَل. ولهذا اتجهت الخطوات نحو منجم للذهب قديم «دولاكوتي» يوصف شق روماني في جسد التلال الويلزية، حيث ما يزال الزمن البعيد يتنفس بهدوء داخل عتمتها.

الطريق إليه يتسلل بين خضرة كثيفة ووادٍ ساكن، فيما تبدو التلال هادئة على السطح، قبل أن ينفتح تحتها عالم قديم من الحفر والصخر واللهاث خلف الذهب.

باحة قريبة

عند المدخل يقف رجل الاستعلامات يتفحص الحجوزات بهدوء رتيب، فيما ينتظر المرشد في الباحة القريبة؛ شاب ويلزي ممتلئ، يرتدي خوذة وسترة تميلان إلى الحمرة. راح يتحدث بنبرة هادئة توحي بأن تكرار الحكاية اليومية لم ينتزع منها الدهشة المختبئة في تفاصيلها. وما إن ينهي كلماته الأولى حتى يعطي إشارة خفيفة بيده، فتبدأ المجموعة في تعقّب خطواته صعودًا نحو التلال.        

وهناك، بين ثنايا الأشجار وبقايا الحفر القديمة، تظهر الفتحة. يتوقف المرشد قليلًا، يقول بضع كلمات فيها تحذير، ثم يشير إلى الدخول تباعًا. ومع التوغل عشرات الأمتار يبرد الهواء فجأة، وتصبح الجدران الصخرية أكثر قربًا وخشونة. عند التقاء تجويفين تتوسطهما بركة ماء صغيرة، يرفع مصباحه نحو السقف الصلد، ويعاود الشرح هذه المرة عن الرومان؛ كيف طوّعوا الصخور قبل ألفي عام بأدوات بسيطة بحثًا عن الذهب، وكيف جاء أهل الأزمنة اللاحقة بالديناميت للغرض نفسه، بضجيج أشد وعجلة أكبر من الصبر الذي عُرف به الرومان.ومع التقدم عشرات الأمتار الأخرى داخل النفق تظهر بقايا حفر مهجورة ومعدات صدئة، يتوقف عندها المرشد بإصرار، ثم يرفع مصباحه نحو بقعة عالية في الصخر. هناك، كما يقول، أمضى مغامر سنوات طويلة وهو ينفق ماله كله في التنقيب دون أن يعثر على شيء يُذكر. وحين أفلس، غادر المكان، وجاء بعده رجل آخر، لم يحتج سوى أيام قليلة من الحفر في الموضع نفسه ليعثر على الذهب؛ فكان المعدن الذي أفنى الأول عمره في البحث عنه لا يبتعد عنه سوى بوصات قليلة، تكفّل الحظ العاثر بإبقائها عصيّة على العبور.

شمعة صغيرة

وبعد أن ينهي المرشد حكاية الحظ العاثر، يعود الصمت لثوانٍ قصيرة، كأن المكان نفسه يستعيد شيئًا من ذاكرته القديمة. عندها يُخرج من سترته شمعة صغيرة وقداحة، ثم يطلب من الجميع إطفاء المصابيح المثبتة على الخوذ.يشتعل اللهب الخافت للحظات، فتتحول الجدران الرطبة إلى ظلال متحركة فوق الصخور السوداء. يرفع الشمعة قليلًا ويقول بهدوء: «هكذا كانوا يعملون». وما إن تنطفئ الشمعة فجأة حتى يبتلع الظلام المكان بالكامل. لم تكن عتمة تشبه انقطاع الكهرباء في مدن العراق، بل ظلامًا كثيفًا إلى الحد الذي يفقد فيه الإنسان إحساسه بالمسافة والاتجاه معًا، كأن الأرض أغلقت فجأة كل منافذها. بقي الجميع ساكنين في أماكنهم دون حركة أو كلام، قبل أن تقطع الصمتَ شابةٌ طلبت بصوت مذعور إشعال الشمعة مجددًا. وما إن عاد الضوء الخافت حتى قال المرشد، بنبرة أقل هدوءًا هذه المرة، إن أطفالًا كانوا يعملون هنا لساعات طويلة، حتى بعد انطفاء شموعهم. عندها بدا النفق أضيق مما كان عليه قبل لحظات، وبدا الذهب، للمرة الأولى، معدنًا يحمل في داخله شيئًا من القسوة البشرية، لا اللمعان وحده. وعند الخروج يعود الضوء الويلزي البارد إلى العينين تدريجيًا، وتبدو التلال الخضراء أكثر هدوءًا مما كانت عليه قبل الدخول. غير أن المنجم الذي أغلق قبل الحرب الثانية، بسبب عدم جدواه، لا يعود في الوعي كما كان تمامًا؛  فبعد المرور في تجربة العتمة يصبح من الصعب النظر إلى هذا الريف بوصفه طبيعة جميلة فقط، ومن الصعب أيضًا التغاضي عن أن السكون قد يخفي تحته طبقات متراكمة من العمل القاسي، والتعب البشري، والرغبة العنيدة في ترك أثر ما، ولو في جوف الصخر.

 


مشاهدات 54
الكاتب سعد العبيدي
أضيف 2026/05/25 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/05/26 - 5:12 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 794 الشهر 25843 الكلي 15871037
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير