الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التفسير المدني للقرآن.. المصلحون لعلك باخع نفسك

بواسطة azzaman

التفسير المدني للقرآن.. المصلحون لعلك باخع نفسك

ليث شبر

 

أبدأ هذه الحلقة بما أرسله أخي وصديقي العالم العراقي المعلى الذي لو استفاد العراق من نصف علمه لكنا اليوم عراقاً آخر، ولا أقول ذلك مبالغة أبداً، يقول الدكتور عبد السلام المياحي: «تعرف مقامك العلمي والأخوي الكبير عندي وأنت ما شاء الله عليك... حرام على أمة لا يقودها ليث شبر الإنسان... وبحبه للإنسانية والعلم ووعيه السابق لعصره وقدرته على المواصلة».

وأياً يكن موقع هذه الكلمات من النفس، فإنها أعادت إلى ذهني آية طالما توقفت عندها طويلاً: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا. ففي هذه الآية لا نجد حديثاً عن خصوم الرسالة بقدر ما نجد حديثاً عن الحالة النفسية العميقة التي يعيشها صاحب المشروع حين يرى الناس يبتعدون عن الطريق الذي يراه أقرب إلى نجاتهم.

هاوية واضحة

المصلح لا يتألم لأن الناس خالفوه، ولا لأنهم لم يمنحوه التأييد، فهذه أمور تتصل بالذات أكثر مما تتصل بالمبدأ. الألم الحقيقي يبدأ عندما يرى الإنسان نتائج المسار قبل وقوعها، ويقرأ مآلات القرارات قبل أن تظهر آثارها، ويشاهد المجتمع وهو يقترب من هاوية واضحة بينما ينشغل كثيرون بالتصفيق أو المجاملة أو الصراعات الصغيرة. هنا ينشأ ذلك الأسف الذي تحدثت عنه الآية؛ أسف لا على النفس، بل على أمة تضيع فرصها، وعلى أجيال تدفع أثمان أخطاء كان يمكن تجنبها.ولعل جانباً مهماً من المشهد العراقي اليوم يمكن قراءته من هذه الزاوية. فالعراق لا يعاني فقراً في الأفكار ولا ندرة في الكفاءات ولا شحاً في الدراسات والمشاريع، بل يعاني فجوة بين ما يحتاجه البلد وبين الآليات التي تنتج القرار. ولهذا نرى بين حين وآخر أفراداً أو مجموعات صغيرة تحاول أن تدفع باتجاه الإصلاح، كما يحدث في المبادرة الوطنية للإصلاح وغيرها من المحاولات الوطنية الصادقة، بيد أن حركة المجتمع والسلطة تجري أحياناً وفق سنن أخرى تتصل بأهلية من يقود وأهلية من يُقاد، وبالقدرة على التمييز بين المشروع الحقيقي والشعار المنمق.

وهنا تتجلى عظمة التعبير القرآني. فالآية لا تطلب من المصلح أن يتخلى عن مشروعه، ولا تدعوه إلى الصمت أو الانكفاء، وإنما تضع أمامه حقيقة من حقائق الاجتماع البشري. فالناس لا يتحركون جميعاً بالسرعة نفسها، ولا يدركون الأخطار في اللحظة نفسها، ولا يستجيبون للحقائق بالدرجة نفسها. ولهذا ظل تاريخ الإصلاح الإنساني قمينا برجال سبقوا عصورهم، ورأوا ما لم يره معاصروهم، ودفعوا أثماناً باهظة لأنهم قرروا أن يسيروا أمام زمنهم لا خلفه.

نهضة حقيقية

ومن هنا فإن أصحاب المشاريع الكبرى لا يملكون ترف التراجع كلما تأخرت الاستجابة، لأن قيمة الرسالة لا تُقاس بعدد المؤيدين، كما أن صحة الفكرة لا تتحدد بحجم الجمهور. وما من نهضة حقيقية في التاريخ إلا وبدأت بأقلية صغيرة آمنت بما تفعل، ثم واصلت السير رغم السخرية والتشويه والتعب وطول الطريق. وهكذا كانت مسيرة الأنبياء والمصلحين والعلماء في مختلف العصور.

ولهذا سيبقى دعاة الإصلاح على هذا الدرب مهما اشتدت المحن وتعاظمت العقبات، لأنهم لا يتحركون بدافع المكاسب الآنية، بل بدافع الواجب الأخلاقي تجاه الإنسان والمجتمع. وقد تُقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وقد تُفتح أبواب الأذى والتضييق، لكن الطريق يبقى هو الطريق. وما الحسين بن علي وأصحابه إلا النموذج الأسمى لهذه المسيرة؛ فقد أدركوا أن قيمة المصلح لا تكمن في سلامة الجسد، بل في سلامة الموقف، وأن بعض المبادئ لا تُصان إلا برجال يواصلون السير إليها مهما كان الثمن.


مشاهدات 40
الكاتب ليث شبر
أضيف 2026/06/16 - 12:19 AM
آخر تحديث 2026/06/16 - 1:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 102 الشهر 14884 الكلي 15890365
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير