الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين الفقد والمقاومة.. ورد السماء قصيدة تمشي على جراحها


بين الفقد والمقاومة.. ورد السماء قصيدة تمشي على جراحها

 

ياس خضير البياتي

 

تُمثل المجموعة القصصية «ورد السماء» الصادرة عام 2026 للكاتبة أسماء محمد مصطفى، تجربة أدبية شديدة الخصوصية والعمق، حيث يمتزج فيها الواقع المرير بالخيال السحري. لا يمكن قراءة هذه المجموعة بمعزل عن عتبة الإهداء والمقدمة، والتي تُشكل المفتاح النفسي لفهم النصوص؛ إذ كُتبت هذه القصص كمحاولة للتشبث بالحياة بعد رحيل ابنة الكاتبة «سماء الأمير» في سن السابعة عشرة ، وتزامنت مع صراع الكاتبة نفسها مع مرض السرطان.

 تتحول الكتابة هنا من مجرد ترفيه أو سرد اعتيادي إلى أداة للانبعاث والمقاومة.إنها كتابة تقف عند تخوم تجربةٍ قاسية، بين فقدِ العزيزة في سنٍّ مبكرة، ومرضِ الأم الذي يأكل جسدها ببطء، ورعبِ العلاج الكيمياوي الذي يواصل نحت معنى البقاء من الداخل حتى حدّ الانمحاء. ومن هذا التوازي الموجِع بين الفقد والمرض، تولد القصص بوصفها أشكالًا من الترميم الداخلي، وكأن اللغة تتحول إلى جسدٍ بديل، أكثر قدرة على الاحتمال من الجسد الحقيقي.ليست «ورد السماء» مجموعة قصصية بالمعنى المتداول للكلمة، بل هي أثرُ روحٍ تمشي على حافة الانكسار، وتكتب كي لا تسقط في الفراغ. نصٌّ يولد من قلب الفقد، لكنه لا يستسلم له، بل يحوّله إلى شكل آخر من الوجود: وجودٍ لغويٍّ يجاور الغياب ولا يلغيه.في هذه المجموعة القصصية، لا تبدو الكتابة ممارسة فنية باردة، بل تبدو كأنها محاولة يائسة وجميلة في آنٍ واحد، لاحتجاز الزمن لحظة إضافية، لردّ ما لا يُرد، ولإبقاء ما انطفأ مشتعلاً داخل اللغة. فالنص هنا ليس عن الموت، بل عن كيفية مقاومته بجمالٍ يوازي قسوته.

ولادةً أخرى

في هذه النصوص، لا يُقدَّم الفقد بوصفه نهاية، بل بوصفه تحوّلاً في طبيعة الرؤية. الابنة الغائبة لا تغيب، بل تتكثف في الرموز: فراشة، وردة، ضوء، شرنقة، لونٌ يرفض أن ينطفئ.

في «فراشة الربيع تأتي دائماً»، لا تعود اللوحات مجرد رسومات طفولية، بل تتحول إلى خرائط للروح. الفراشة ليست كائناً بيولوجياً، بل هي استعارة لروحٍ تعلمت كيف تخلع جسدها دون أن تموت. هنا يصبح التحول من الشرنقة إلى الفراشة فعلاً ميتافيزيقياً، إعلاناً بأن الحياة لا تنتهي بل تغيّر شكلها فقط.

أما في قصة «ورد السماء»، فإن الابنة تتحول إلى أسطورة شخصية: وردة بيضاء لا تنبت في الأرض بل في تخوم الغياب، تهبط كي تمنح العالم لحظة جمال، ثم تعود، تاركةً أثرها في العين لا في اليد. وكأن الفقد هنا لا يُروى، بل يُزهر.

ساحة حرب

في مواجهة الجمال الطفولي، يقف الجسد المثقل بالمرض في قصة «الوحش المخلبي». هنا لا يعود الجسد مأوى للروح، بل ساحة اشتباك بين الحياة وما يشبه الموت المؤجل.

العلاج الكيمياوي لا يُقدَّم كخلاص، بل كقوة مزدوجة: تقتل المرض وتجرح الجسد في آنٍ واحد. الأوردة تتحول إلى خرائط ألم، والدم إلى لغةٍ متوترة بين البقاء والانطفاء. وكأن الجسد نفسه فقد يقينه، وصار يتعلم معنى النجاة عبر الألم لا عبر الراحة.

العراق بوصفه جرحاً مفتوحاً في الذاكرة

لا تقف المجموعة عند حدود الفقد الشخصي، بل تنفتح على الفقد الجمعي: حرب، قمع، طفولة مهددة، أرض تتعلم كيف تعيش وسط التشظي.

في «سؤال البالونات البيض»، تبدو الطفلة ككائن يحدق في العالم دون أن يفهم منطقه الدموي. الحرب ليست حدثاً، بل لغزاً عبثياً يسلب البالونات قبل أن يسلب المعنى.وفي «حارسة جسر القلوب»، يتحول الجسر إلى امتحان أخلاقي للإنسان: من يمر؟ ومن يُمنع؟ وكأن العالم يُعاد تقسيمه بين من يحمل قلباً خفيفاً، ومن تثقله الكراهية.

أما في «حمائم لا تعود أحياناً»، فإن الغياب يأخذ شكله الأكثر قسوة: معتقل، موت، وانتظار لا يعود منه أحد. الحمائم هنا ليست رموز سلام، بل شهادات على انكسار الأمل في طريقه إلى العودة.

كبديل عن الحياة

في هذه المجموعة، لا تُستخدم الفنتازيا كترف جمالي، بل كضرورة وجودية. التماثيل التي تتحرك، الأشجار التي تولد من الشعر، الأشياء التي تستعيد روحها، كلها ليست خيالاً منفصلاً عن الواقع، بل محاولة لإنقاذ الواقع من قسوته المطلقة.

إن اللامرئي ليس ما لا يُرى، بل ما يرفض العالم الاعتراف به، ومع ذلك يظل حاضراً في الهامش، في الذاكرة، في الحلم. هنا تتجاور الواقعية السحرية مع الألم الواقعي، لا لتخفيفه، بل لتعميقه بطريقة جمالية، تجعل الألم قابلاً للرؤية، لا للهروب.

أسوار الجميلة النائمة… حين يتحول الحزن إلى معمار رمزي

في إعادة صياغة أسطورة «الجميلة النائمة»، لا تعود الحكاية حكاية انتظار أمير، بل حكاية أمّ تبني أسوارها من الحنين. الأسوار هنا ليست حجارة، بل لغة. ليست حماية، بل قلق متجسد. إنها محاولة لإيقاف الزمن عند لحظة لا تريد أن تمضي.

لكن الجميلة النائمة ليست نائمة حقاً، بل هي شكل آخر من الوجود: وجودٌ لا يخضع لفساد الزمن. النوم هنا مقاومة، والجمود طهارة، والغياب شكل من الحضور الأعلى. غير أن الأسوار، مع ذلك، لا تبقى جدراناً صماء. إنها تتشقق لتصبح جسوراً، ويتحول الحاجز إلى ممر، ويتحوّل العزل إلى عبور خفي بين عالمين: عالم الأرض وعالم الغياب.

وفي قلب هذا التحول، تصبح الكتابة هي الفعل الوحيد القادر على اختراق السور دون أن تهدمه، وكأن اللغة لا تلغي الموت، لكنها تؤجله جمالياً.

من القيد إلى الجناح… تطور الرمز

تتحرك الرموز في المجموعة من القيد إلى الانفتاح:

من الأسوار: الحماية التي تعزل وتخاف

إلى الشجرة والجسر: الحماية التي تربط وتمنح استمراراً

إلى الفراشة: الحماية التي تتحول إلى تحليق

إنها رحلة من الخوف إلى الجمال، ومن الإمساك إلى التحرر، ومن الرغبة في حفظ الشيء إلى الرغبة في نشره في الوجود كله.

خاتمة:

في النهاية، لا تقف «ورد السماء» بوصفها نصاً عن الفقد، بل بوصفها محاولة لخلق معنى جديد للفقد ذاته. إنها ليست رثاءً، بل إعادة تشكيل للغياب كي يصبح قابلاً للعيش. هنا تتحول الابنة من ذكرى إلى رمز، ومن غياب إلى حضور متكرر داخل اللغة، ومن موتٍ فردي إلى جمالٍ كوني صغير يرفض أن يُطفأ.

إنها كتابة تمشي على حافة الجرح، لكنها لا تسقط فيه. كتابة تجعل من الألم شكلاً من أشكال الضوء.


مشاهدات 43
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/06/16 - 12:12 AM
آخر تحديث 2026/06/16 - 1:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 129 الشهر 14911 الكلي 15890392
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير