الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
علي جعفر العلّاق شاعر القصيدة


علي جعفر العلّاق شاعر القصيدة

محمد علي محيي الدين

 

علي جعفر العلّاق شاعر وناقد وأستاذ جامعي عراقي، ولد في مدينة الكوت بمحافظة واسط سنة 1945، في بيئة جنوبية تركت في ذاكرته الأولى ظلال المكان العراقي بما يحمله من ماء ونخيل وحنين وأسئلة عن الإنسان والزمان. انتقلت أسرته إلى بغداد في منتصف خمسينيات القرن العشرين، وهناك واصل دراسته التي قادته إلى الجامعة المستنصرية، حيث تخرج في اللغة العربية سنة 1973، وهو العام نفسه الذي شهد صدور ديوانه الأول «لا شيء يحدث... لا أحد يجيء»، في خطوة مبكرة كشفت عن شاعر يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والغياب والانتظار، وهي ثيمات ستتردد بأشكال مختلفة في تجربته اللاحقة.

لم يكن العلّاق شاعراً يكتفي بكتابة القصيدة، بل اتجه منذ وقت مبكر إلى قراءة الشعر وتأمل أدواته ومشكلاته الجمالية والفكرية، فجمع بين موهبة الشاعر ووعي الناقد، وأصبح هذا التداخل أحد أبرز ملامح تجربته. وفي مرحلة لاحقة توجه إلى بريطانيا لمواصلة دراسته العليا، فنال الدكتوراه في الأدب الحديث من جامعة إكستر سنة 1983، وهو ما أتاح له الاطلاع على المناهج النقدية الحديثة، من دون أن يفقد صلته العميقة بالتراث الشعري العربي الذي ظل، في تجربته، مصدراً حياً للمعرفة والدهشة وإعادة الاكتشاف.

عمل العلّاق في مجالات ثقافية وإعلامية متعددة، فتولى إدارة المسارح والفنون الشعبية، ورئاسة تحرير مجلة «الأفلام»، كما ارتبط بالمؤسسات الثقافية والأدبية العراقية، وكان عضواً في اتحاد الأدباء، وفي رابطة نقاد الأدب. ولم تكن هذه الأعمال منفصلة عن مشروعه الأدبي، إذ كان يرى الثقافة فضاءً متكاملاً تتجاور فيه القصيدة مع النقد، والمسرح مع الفنون الشعبية، والكتابة الإبداعية مع البحث الأكاديمي. وشارك في مناسبات ثقافية عربية ودولية، منها يوم الثقافة البلغاري سنة 1974 وأيام الصداقة العراقية السوفيتية سنة 1977، وهي مشاركات تعكس حضوره في المشهد الثقافي العراقي خلال عقود شهدت تحولات واسعة في الأدب والفكر والفنون.

ومنذ ديوانه الأول، أخذت تجربة العلّاق تتسع تدريجياً، وتنتقل من التعبير عن الذات والذاكرة إلى بناء عالم شعري أكثر تركيباً، تتداخل فيه الطبيعة بالحنين، والوطن بالمنفى، والإنسان بالزمن، والحب بالخسارة. جاء «وطن لطيور الماء» سنة 1975 ليؤكد هذا الاتجاه، ثم «شجر العائلة» سنة 1979، و«فاكهة الماضي» سنة 1987، و«أيام آدم» سنة 1993، قبل أن تتوالى دواوينه التي اتخذت من اللغة وسيلة لاستعادة ما يتوارى في الذاكرة، ومن الشعر طريقة لمقاومة الوحشة والانقطاع.

وفي «ممالك ضائعة» سنة 1999 تتقدم ثيمة الذاكرة والتاريخ بصورة أكثر وضوحاً، بينما تكشف عناوين مثل «سيد الوحشتين» و«ها هي الغابة فأين الأشجار» و«قبيلة من الأنهار» و«هكذا قلت للريح» عن شاعر لا يتعامل مع العنوان بوصفه عتبة شكلية، بل يجعله جزءاً من البناء الدلالي للقصيدة. وفي أعماله اللاحقة، ومنها «حتى يفيض الحصى بالكلام» و«حياة في القصيدة» و«ذاهب لاصطياد الندى»، تزداد صلته بالقصيدة بوصفها تجربة وجودية، لا مجرد صياغة لغوية؛ فالكلمات عنده تحاول أن تستعيد ما تعجز الحياة اليومية عن الاحتفاظ به.

ولعل تجربة العلّاق في اليمن أسهمت في توسيع أفقه الإنساني والشعري؛ فقد عمل أستاذاً للأدب والنقد في جامعة صنعاء خلال سنوات التسعينيات، من 1991 إلى 1997، وأقام في صنعاء مدة من الزمن قبل أن ينتقل إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث استقر في مدينة العين. وقد أضافت تجربة التنقل والإقامة خارج العراق طبقة أخرى إلى شعره، إذ أصبح المكان في قصيدته أكثر من جغرافيا؛ إنه ذاكرة تتحرك مع الشاعر أينما حل، ومرآة يستعيد فيها الوطن والأهل والطفولة والأمكنة الأولى.

وإلى جانب الشعر، أسس العلّاق لنفسه حضوراً نقدياً مميزاً. ومن كتبه في هذا المجال «مملكة الغجر»، و«الشريف الرضي»، و«دماء القصيدة الحديثة»، و«في حداثة النص الشعري»، و«الدلالة المرئية»، و«من نص الأسطورة إلى أسطورة النص»، و«في مديح النصوص»، و«المعنى المراوغ: قراءات في شعرية النص»، فضلاً عن «الشعر والتلقي: دراسات نقدية». وفي هذه الكتب لا يظهر الناقد بعيداً عن الشاعر، بل يبدو أن كل واحد منهما يضيء الآخر؛ فالعلاق يقرأ الشعر من داخل التجربة، ويستعين بحساسية المبدع في تفكيك النص، ولذلك جاءت كتاباته النقدية أقرب إلى حوار طويل مع القصيدة العربية، القديمة منها والحديثة.

وقد أشار الناقد فاروق يوسف إلى هذه الخاصية في تجربة العلّاق، فرأى أنه كان ناشطاً في مجال نقد الشعر وتحليله والتقاط جوانبه النظرية، وأن مرجعيته الشعرية تشكلت من تفاعل عميق مع الشعر العربي القديم والحديث. وتبدو هذه الملاحظة دقيقة في ضوء مساره؛ فالعلّاق لا يتعامل مع التراث باعتباره متحفاً مغلقاً، وإنما بوصفه مادة قابلة لإعادة القراءة، كما لا ينظر إلى الحداثة باعتبارها قطيعة مع الماضي، بل باعتبارها إمكاناً لإعادة ترتيب العلاقة معه. ومن هنا جاءت دراساته عن الشعراء القدامى، ومنها كتابه عن الشريف الرضي، جزءاً من مشروع أوسع يسعى إلى اكتشاف الحاضر في مرايا الماضي، والماضي في أسئلة الحاضر.

وفي تجربته الشعرية أيضاً ظل العلّاق وفياً للغة العربية بوصفها مركزاً من مراكز الجمال والمعنى. فالقصيدة عنده لا تقوم على الفكرة وحدها، ولا على الموسيقى وحدها، بل على التوتر بينهما؛ بين ما يريد الشاعر قوله وما تستطيع اللغة أن تخفيه أو تكشفه. ولذلك تتكرر في شعره مفردات الماء والريح والشجر والضوء والندى والغياب، وهي عناصر تتحول من صور طبيعية إلى إشارات رمزية تتصل بالذاكرة والحب والوطن والبحث عن معنى يظل بعيداً كلما حاولت القصيدة الإمساك به.

ويكشف ديوان «إلى أين أيتها القصيدة؟» عن مرحلة ناضجة من علاقته بالشعر، إذ يتحول السؤال من موضوع خارجي إلى سؤال عن جوهر التجربة نفسها: إلى أين تمضي القصيدة بعد أن رافقت الشاعر عقوداً طويلة؟ وما الذي يبقى من العمر حين يتحول إلى لغة؟ وقد اتخذ العمل شكل سيرة ذاتية، فصار استعادة لحياة الشاعر عبر القصيدة، لا سرداً تقليدياً لأحداثها. وفي هذا السياق تأتي عبارته الشعرية بوصفها محاولة لاستعادة الزمن لا تسجيله، ولتحويل التجربة الشخصية إلى ذاكرة قابلة لأن يشارك فيها القارئ.

وتتضح غزارة تجربته من تعدد دواوينه وامتدادها زمنياً؛ فمن «لا شيء يحدث... لا أحد يجيء» سنة 1973 إلى «الأعمال الشعرية» بجزئيها الصادرين سنة 2022، قطع العلّاق مسافة طويلة في الشعر، تغيرت خلالها أساليب الكتابة وتبدلت الأذواق والتيارات الأدبية، لكنه ظل حاضراً بوصفه شاعراً يراهن على اللغة وعلى قدرة القصيدة على تجديد نفسها. ومن أعماله كذلك «نداء البدايات»، و«فراشات لتبديد الوحشة»، و«تفاحة الضوء: مختارات شعرية»، إلى جانب مجموعاته الأخيرة التي صدرت في دبي سنة 2021.

أما في الدراسات، فقد واصل العلّاق اشتغاله على أسئلة القصيدة والنص والتلقي والحداثة والدلالة، فكان كتابه «في حداثة النص الشعري» امتداداً لاهتمامه بموقع القصيدة العربية في تحولات الحداثة، فيما يذهب «الدلالة المرئية» إلى مناطق أكثر اتصالاً بعلاقة النص بما هو بصري وإيحائي، ويقترب «المعنى المراوغ» من واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالشعر، وهي أن المعنى الشعري لا يمنح نفسه كاملاً، وإنما يظل يتحرك بين الكلمات والصور والتأويلات. أما «من نص الأسطورة إلى أسطورة النص» فيكشف عن اهتمامه بالتفاعل بين الموروث الأسطوري والبنية الشعرية الحديثة.

وقد حظيت تجربته بالتقدير عربياً، فنال جائزة العويس للشعر في دورتها لعام 2019، ثم توج مساره النقدي والسيري بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها السابعة عشرة، فرع الآداب، سنة 2023 عن كتابه «إلى أين أيتها القصيدة؟ سيرة ذاتية». ولم تأت هذه الجوائز بوصفها مجرد تكريم لشاعر كثير الإنتاج، وإنما بوصفها اعترافاً بتجربة امتدت من القصيدة إلى النقد، ومن البحث الأكاديمي إلى السيرة، واستطاعت أن تحافظ على حضورها في المشهد العربي عبر أجيال متعاقبة.

وفي قراءة فاروق يوسف للعلّاق، كما وردت في صحيفة «العرب»، تبدو صورة الشاعر الذي جعل من الكتابة النقدية مختبراً لخبرته الشعرية، وهي صورة تساعد على فهم مكانته؛ فهو لا يفصل بين فعل كتابة القصيدة وفعل التفكير فيها. وحين يقرأ العلّاق شاعراً آخر، فإنه لا يكتفي بتفسير نصه، بل يحاول الاقتراب من اللحظة التي ولدت فيها القصيدة، ومن الأسرار التي تجعل الشعر شعراً. ولهذا بدت كتبه النقدية، في جانب منها، امتداداً غير مباشر لدواوينه.

وتؤكد المصادر التي تناولت سيرته، ومنها ما ورد في «معجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة» لإميل يعقوب، وما نشرته «صحيفة الاتحاد» و«صحيفة العرب» و«جريدة الحياة» و«ديوان العرب» و«الحرة»، أن علي جعفر العلّاق يمثل واحداً من الأصوات العراقية التي استطاعت أن تتجاوز حدود التجربة المحلية إلى فضاء الشعر العربي الأوسع. فهو ابن واسط وبغداد، لكنه في الوقت نفسه شاعر المنفى والرحيل والذاكرة، حمل معه العراق إلى الأمكنة التي عاش فيها، كما حمل من تلك الأمكنة أسئلة جديدة إلى قصيدته.

إن أهمية علي جعفر العلّاق لا تكمن في كثرة دواوينه وكتبه وحدها، وإنما في ذلك التفاعل الخلاق بين الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي. لقد جعل من اللغة وطناً ثانياً، ومن القصيدة مساحة للتأمل في الإنسان والزمن والحب والفقد، ومن النقد وسيلة للعودة إلى الشعر لا للابتعاد عنه. ولهذا ظل مشروعه مفتوحاً على أكثر من اتجاه: قصيدة تستنطق الذاكرة، ودراسة تحاور التراث، ونقد يبحث عن أسرار النص، وسيرة تعيد كتابة العمر من خلال القصيدة. وربما لهذا كله يبدو عنوان سيرته «إلى أين أيتها القصيدة؟» سؤالاً يلخص تجربته بأكملها؛ فالشاعر الذي أمضى حياته يطارد القصيدة لا يسأل عن نهايتها بقدر ما يسأل عن الطريق الذي يمكن أن تظل فيه اللغة قادرة على مفاجأتنا.

وبهذا المعنى، يندرج العلّاق في السلسلة الطويلة للشعراء العراقيين الذين جعلوا من الشعر أكثر من فن لغوي؛ جعلوه سجلاً للروح العراقية وهي تعبر الحروب والتحولات والاغتراب وتبدل الأمكنة. لكنه، في الوقت نفسه، استطاع أن يصنع صوته الخاص، صوتاً تتجاور فيه رهافة الغنائي مع صرامة الناقد، وتلتقي فيه ذاكرة التراث بحساسية الشعر الحديث، ليبقى واحداً من الأسماء البارزة في مسيرة القصيدة العراقية والعربية الحديثة.

 


مشاهدات 27
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/08/12 - 3:19 PM
آخر تحديث 2026/08/13 - 12:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 59 الشهر 13197 الكلي 16102901
الوقت الآن
الخميس 2026/8/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير