الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في تجربة حسين النجار التشكيلية.. منظومة معرفية  تعتمد الإختزال والمعنى المضمر

بواسطة azzaman

قراءة في تجربة حسين النجار التشكيلية.. منظومة معرفية  تعتمد الإختزال والمعنى المضمر

البصرة -  ازهر داخل محسن

 

يعد الإختزال منظومة معرفية اجرائية يمارسها الإنسان في عديد اشتغالاته، ولعل الفنان حينما يشتغل على الإختزال فذلك يعنــــــي أنه يمتلك قيمة معرفيـــــة فكريــة ومكنة تقنية مائزة، لأنه يجنح بمنجزه الفني نحو التشذيب والنأي به عن كل ما يعلق به من زوائد قد تسبب ثقلاً بصرياً أو إسترسالاً فكرياً غير محمود، فالاختزال يندرج تحت منظومة (خير الكلام ما قل ودل) وكذلك يندرج تحت مفهوم الإستعارة أو التورية الرمزية، أو كما يمكن تسميتها بالتقية في المفهوم الإسلامي كسلوك وقائي أو سلوك إبداعي بدلالات وحرفنة، ولعل الإختزال كمفهوم لغوي يشير إلى التبسيط والإختصار أو تفسير الكل من خلال الجزء، بمعنى أنه توجه فكري إنساني لتبسيط واختصار الواقع وما يحمل من تعقيدات وتركيبات إلى مكونات أصغر نسبياً لتسهيل فهمها وقياسها، وبحسب العديد من الفلاسفة جاء توصيف الفيلسوف الظاهراتي الألماني (إدموند هوسرل 1859 - 1938 م) بأن الإختزال هو إرجاع الشيء إلى حقيقته وتطهيره من كل اللواحق الزائدة عليه، وللإختزال أنواع تشمل الشكل واللون والخط والفكرة واللغة والمعنى وغيرها كثير، ولعل الإختزال بانت مصاديقه مع الرسم التجريدي عندما سعى الفنان من تحويل الكل إلى الجزء توخياً للتبسيط، على إثرها نشأ توجه فني في الولايات المتحدة الأمريكية منتصف القرن العشرين يدعى فن الإختزال أو فن التقليل تعتمد إشتغالات فناني هذا التوجه بالجنوح نحو التقشف في اللون والشكل والخامة إلى أقصى حدود كنوع من الرؤية الفلسفية الجمالية التي تعنى بتكثيف المعنى بحدوده في الظاهر من العناصر البنائية للعمل الفني والتوجه نحو مشاكسة المتلقي في توصيف المعنى المضمر خلف تمظهرات الأشكال على السطح البصري المرئي، بمعنى تقليل الصفات والعناصر العليا في المنجز الفني والإكتفاء بالعناصر والصفات الدنيا، والتفكير في الجوهر الحقيقي للأشياء من خلال إعادة بناء دلالاتها بغية الوصول إلى جوهر الفكرة والمفهوم.

ولعل الإختزال كمظهر صوري للتجريد كان واحداً من أقدم الفنون القديمة، إذ كانت جدران المعابد سطوح حاملة له عبر الخطوط والألوان البدائية فكانت جدران الكهوف تحتشد بالرسوم القديمة خطوط وألوان بسيطة مأخوذة من المعطيات المتوافرة كدماء الحيوانات الميتة أو الألوان المأخوذة من النباتات بعد ضربها بالجدران، فضلاً عن شحوم الحيوانات والفحم المتولد من الأخشاب المحروقة، وكلها ألوان بدائية ظرفية اعتمدت لاحقاً كألوان بها قصدية.

منظومة فكرية

وهنا حددنا مساحة رؤيتنا لرسوم الدكتور الفنان (حسين النجار 1973م) بوصفها مبنية على منظومة فكرية إختزالية تتماشى مع ما قدمه فناني الإختزال في العالم والإكتفاء بما يشير للمعنى والمفهوم دون طرح التفصيلات الشارحة للعمل الفني بشكل يسير،  فـ(النجار) بشكل عام يسعى إلى طرح منجزه الفني على وفق العديد من المساحات الجمالية والتقنية التنفيذية، ومنها بعض سطوحه البصرية التي بثها في معرض عام 2023 م بتقنية الألوان المائية، إذ يغلب اللون الأزرق على مجمل سطوح أعماله مع إلتماعات فاعلة لبعض الألوان الحارة كالأصفر الحاد والبرتقالي والأحمر وهي ألوان حارة تعادل الأزرق كلون بارد، وأراها إلتماعات تنم عن هيمنة بصرية عدت مساحتها بالرغم من صغرها تعادل المساحة التي تغطي عمله الفني بمجمله باللون الأزرق، فنجده يوزع ألوانه وفضاءاته وأشكاله المجردة ضمن منظومة بناء شعاعي مركزه منتصف اللوحة في الأسفل ليخلق منها نصف دائرة  ، أما الثاني فيكون الإشعاع مركزياً منتصف اللوحة لتوليد دائرة شعاع، وتتولد في بعضها الآخر شعاع جهوي يمين أو يسار ومع ذلك لن يجد المتلقي سيادة لجهة على الأخرى، ولعل هناك اشتغالات بنائية أخرى يمكن لكل متلق متخصص من تشخيصها، وهي بمجموعها اشتغالات مؤسسة على وعي (النجار) بعناصر البناء الجمالي ووعي بما تبثه تلك المنظومات من مضامين ظاهرة أو مضمرة،  ولعل ما يميزها تجريديتها كنسغ مبني باختزالية عالية، فالنسغ الجمالي لأعمال (النجار) في مجملها تجارب مؤطرة بتجريد لوني وإختزال في عناصر تكوين لوحاته ، فهو مكتف بلون واحد أو يكاد يوظف لوناً ثانياً كالأصفر أو البرتقالي أو الأحمر في بعض المساحات الصغيرة جدا.

، فضلاً عن إختزاله للخط الذي يعد كذلك قيمة ثانوية، فلن تجد عملاً لـ(النجار) مخطط له مسبقاً، بمعنى أنه لم يستخدم الخط أو يستخدمه بشكل لا يكاد يذكر، أما الجانب الآخر فلم يخطط لموضوعته مسبقاً، إذ يشتغل على السطح البصري مباشرة ودون سابق إنذار أو ترتيب، وهذا بحد ذاته يشكل عبئاً على أي فنان لم تكتمل أدواته، بل قد يجد الأمر عسيراً في استكمال عمله الفني، ولذا نجد منجزات (النجار) بوصفها أعمالاً مكتملة وناضجة بوصفه فناناً امتلك ناصية العمل الفني باكتمال أدواته التقنية في إنجاز عمله، ولذا شكلت بعض منجزاته بالألوان المائية منطقة إبداع وجمال مشهود له بها سواء في الأعمال التجريدية المعروضة في معرضه عام 2023 م أو أعماله الواقعية في رسومه للطبيعة أو للصور الشخصية الحية ، فلم يستطيع المتلقي من تمييز تجريداته المائية عن الواقعية، فكلها تنم عن مكنة وحرفنة عدت (النجار) من الفنانين المعروفين في الرسم بالألوان المائية، حتى عدت تجربته هوية ثقافية حددت عناصرها بوعيه لما هو مقدم عليه، فلم تكن لوحاته مجرد صدفة أو إلتقاطة لحظية تغيب بمجرد الإنتهاء منها، بل يعد التكرار والإصرار أحد عناصر هويته وأسلوبيته التي وضعته بمكان له قيمته الفنية، وإن كان ما يعيب الفنان هو التداعي لما هو خارج الوعي والمكنة التقنية، إلا أن (النجار) اشتغل على منظومة الوعي المعزز بالمكنة التنفيذية ولعل (النجار) يعد أحد الفنانين المشتغلين بكثافة وبعديد من التجارب الفنية في البصرة والعراق ممن لهم مكنة تقنية في الرسم بالألوان المائية والألوان الزيتية وألوان الأكريليك ، بل إنه تخطى الخامات التقليدية لينحو تجاه استخدام خامات أخرى كحرق الكارتون والخشب وتوظيف لون الحرق (الأسود المحمر أو الأسود) فأنتج أعمالاً فنية تجاوزت السطح البصري المستوي إلى التكوين الكتلي القريب من العمل النحتي الملون، وهي تقنية طالما لجأ إليها الفنانين الغربيين العالميين ضمن توجهات فنون وتشكيل ما بعد الحداثة، لذا تماهي (النجار) مع التشكيل العالمي بوصفه يتفهم وظيفة الفن وتجاوزه الجغرافيا والتاريخ، لينطلق من دون إجترارات للماضي أو محاكاته (الفن العراقي القديم كموروث حضاري) بحرفية أو تقليدية، وكما اشتغل (النجار) بكثافة على الإختزال في أعماله، نجد له مساراً آخراً في أعماله ملأها بالتشخيص الأقرب للتعبير، فقد شخص الإنسان وشخص المشحوف والبلم العشاري وشخص الشجرة والسمكة وشخص المدينة البصرية بكل تمفصلاتها وحيويتها، وإذا اثقل نفسه بالعديد من مبثوثاته باللون الأزرق كمرحلة ربما تماثل زرقاء الفنان الإسباني (بابلو بيكاسو Pablo Ruiz Picasso 1881- 1973م) فـ(النجار) كذلك أثقل بعضاً من أعماله بتلوينات أخرى ربما إنعدم اللون الأزرق والأخضر ليشبعها بالألوان الحارة والأوكرات المحمرة كمعادلات موازنة لمرحلته الزرقاء ،  وإذ شخصنا في العديد من مرجعيات الفن العراق والتشكيلي بصورة خاصة نجد إنتماء ( النجار ) لكل مرجعيات التشكيل العراقي المعاصر ، فالبيئة المحلية والشعبية ضاغط كبير على منجزه بما يعزز ضاغط التجريد العراقي القديم في الرسم والنحت في بابل وآشور وأكد ، لتأتي مرجعية الفن الإسلامي عبر العديد من المنظومات الزخرفية التي أطلقها ( النجار ) في أعماله وكأنه يقر بأبوية هذه المرجعيات بشكل لا يمكن فكاك أي فنان عراقي منها ، ومن كل ما تأسست أعماله كانت لتجارب ( النجار ) فاصل مهم في قراءته للفن الأوروبي والتي استقاها من خلال دراسته للدكتوراه واطلاعه المستمر وبدأب وبشغف المتعلم الواعي المجد ، لينتج منها أيقونات جمالية عدت أمثولات للجمال والجديد في الرسم العراقي المعاصر ، ولعل دراسته للماجستير لموضوعة الكرافيك أسست له فسحة معرفية وتقنية وظفها في أعماله ، فضلاً عن دراسته في الدكتوراه لموضوعة العجائبية التي أغنت تجربته السابقة ولو باتجاه مغاير لكنه إتجاه معرفي لا شك يعزز الرؤية في الكتابة البحثية والرسم .

وعودة للمعرض الأهم في مسيرة ( النجار ) وتجربته الجمالية والفكرية في الرسم ما قدمه معرضه الشخصي في كاليري حامد سعيد عام ٢٠٢٣ م وفيها سعى ( النجار ) لطرح متبنياته الجمالية على وفق رسوم تجريدية صرفة تتخللها منظومات زخرفية وتشخيصية ملونة بألوان حارة ( اللون الأحمر واللون الأصفر ) لتتبادل فيها مسارات الفنان في باليته اللوني ليؤكد على تبادلية سردية أو بما يمكن تسميته ( الناراتولوجي ) أو نظرية العوامل أو ما يسمى مفهوم السرد بوصفها المصطلحات التي دخلت دائرة التوظيف النقدي العالمي تحت تأثير البنيوية والشكلانية الروسية ولا سيما مع البنيوي السردي الروسي ( فلاديمير بروب 1895 _ 1970 م ) الذي حلل تراكيب القصص إلى أجزاء ووظائف ، وبما أن النص السردي ( ينبني بتقنيات ، تشكل قواعد وقوانين نهوضه ، كما تخوله ممارسة وظائفه ، نطقه الفني ) لذا تصبح معرفة ماهية النص السردي وما يحكمه من مفاهيم ضرورة تمنهج القراءة فتمنحها قدرة الكشف عن المضمر في النص وكامن في منطق تكونه ، ومحرك لدينامية هذا التكون  ، من هنا نؤكد ما قدمته سردية ( النجار ) البصرية إنه يشاكس المتلقي ليضعه أمام وجوده وكينونته كعامل متأمل ومفكر بما يحيطه ، بفعل ما يقدمه للمتلقي كنص بصري سردي مبني بتقنية تبث خطاباً جمالياً ونقدياً في آن واحد .

والفنان حسين النجار تولد ١٩٧٣ م خريج معهد الفنون الجميلة . البصرة ١٩٩٠ م . ماجستير من كلية الفنون الجميلة _ جامعة البصرة ٢٠١٣ م دكتوراه فنون تشكيلية ، كلية الفنون _ جامعة بابل ٢٠١٩ م تدريسي في معهد الفنون الجميلة البصرة للبنات ، رئيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في البصرة . مشارك فاعل في معظم معارض الجمعية ومعارض شخصية وجماعية كما يعد مؤسس أول منفذ تعليمي فني وحركي للفن في البصرة بدعمه للطاقات الشبابية والأطفال عبر ممارسات جمالية ومهرجات متعدد ضمن مرسم الغدير للفنون التشكيلية منذ أكثر من عقد من الزمن  .


مشاهدات 35
أضيف 2026/06/14 - 2:46 PM
آخر تحديث 2026/06/15 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 143 الشهر 13923 الكلي 15889404
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير