شهادات في الهواء بعد سنوات من التعب
خرّيجو الدراسات العليا عاطلون تضيق بهم سوق العمل
بغداد - دعاء يوسف
في مكتبه الصغير بإحدى جامعات بغداد يعلق أحمد رزاق شهادة الماجستير على الجدار كما يعلق الوسام أنهى دراسته بعد سنتين من الليالي الطويلة والرسائل والمناقشات لكنه اليوم يعمل في مجال لا علاقة له بتخصصه يقول ببساطة الشهادة موجودة لكن سوق العمل ما يعترف بيها.
قصة أحمد ليست استثناء إنها نمط يتكرر في أرجاء العراق حيث تتصاعد أعداد حاملي شهادات الدراسات العليا في الوقت الذي تتراجع فيه ثقة المجتمع الأكاديمي والمهني بقيمة كثير منها.
أرقام في ازدياد
تسجل في العراق قرابة خمسين ألف شهادة ماجستير ودكتوراه سنويا وأغلبها تمنح من الجامعات الأهلية الخاصة هذا الرقم الذي يبدو مبهرا يخفي في طياته تساؤلات جوهرية عن نوعية ما ينتج لا كميته.
جامعة بغداد وحدها تضم نحو تسعة آلاف وثلاثمئة وتسعة وسبعين طالب دراسات عليا موزعين على مئتين واثنين وخمسين برنامجا للماجستير ومئة وخمسة وخمسين برنامجا للدكتوراه وهي أكبر جامعة حكومية في البلاد غير أن المشهد لا يقتصر عليها فثمة عشرات الجامعات الأهلية التي باتت تستوعب شريحة واسعة من الطلاب وكثيرا ما تثار تساؤلات حول معاييرها الأكاديمية
توسع أفقي
يشهد التعليم العالي توسعا أفقيا وعموديا في استحداث الجامعات والكليات غير أن كثيرا من هذه المؤسسات تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة وتعمل في مبان قديمة أعيد توظيفها فضلا عن شح الكادر التدريسي المتخصص في بعض الأقسام، ومن أبرز الإشكاليات البنيوية الزيادة الكبيرة في التدريسيين الحاملين لشهادة الماجستير مقارنة بحاملي الدكتوراه إذ تتجاوز نسبتهم خمسة وسبعين بالمئة مع السماح لهم بالتدريس النظري في مراحل الدراسات العليا والحلقة هنا مغلقة ماجستير يدرس ماجستيرا وهكذا دواليك.
وقد أدى هذا التراجع إلى خروج عدد من الجامعات العراقية كليا من مؤسسات التصنيف العالمي أو احتلالها مراتب متأخرة حتى إن جامعات عربية أحدث عهدا باتت تتقدم عليها في تلك التصنيفات من خارج العراق بعثات بالآلاف وعودة بعلامات استفهام في مواجهة هذا الواقع تحركت الدولة نحو الابتعاث الخارجي بوصفه مسارا موازيا وأكثر مصداقية.
أطلقت وزارة التعليم العالي برنامج البعثات الدراسية خارج العراق للحصول على شهادتي الدكتوراه والماجستير في مختلف التخصصات الطبية والهندسية والعلوم الصرفة والإنسانية بهدف إعداد كوادر عالية التأهيل ترفع المستوى العلمي وفق معايير أكاديمية معتمدة، وتتسارع هذه الخطوات إذ أطلق رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في مايو ألفين وثلاثة وعشرين برنامجا طموحا لابتعاث خمسة آلاف طالب بدأت وجبته الأولى بأربعمئة بعثة ثم تلتها وجبة ثانية لعام ألفين وأربعة وعشرين تضمنت ألف بعثة دراسية في الماجستير والدكتوراه والتدريب الطبي من أرقى الجامعات العالمية لكن الابتعاث لا يخلو هو الآخر من عقد تذكر إيران ولبنان ضمن الوجهات الأكثر شيوعا بالنسبة لبعض الطلاب العراقيين باعتبارهما وجهتين تتيحان الحصول على الدرجات العلمية بيسر أكبر وهو ما يثير جدلا واسعا في الأوساط الأكاديمية حول مصداقية هذه الشهادات حين تعاد معادلتها داخل العراق.
معضلة المعادلة
يواجه المتقدمون للدراسات العليا الحاصلون على شهاداتهم من خارج العراق عقبة إجرائية إذ كثيرا ما تغيب وثيقة تثبت معدل الأول على الدفعة في جامعاتهم الأجنبية مما يعقد تطبيق آليات المفاضلة المعتمدة هذا الغموض يفتح بابا للتساؤل كيف يقيم خريج الخارج حين تغيب المعايير الموحدة
بصيص تحسن أو محاولة للتحسن
ثمة مؤشرات إيجابية لا ينبغي إغفالها نشرت جامعة بغداد خلال عام ألفين وأربعة وعشرين قرابة ثلاثة آلاف وتسعمئة وسبعة وتسعين بحثا في قاعدة سكوبس العالمية وبلغ مجموع أبحاثها المفهرسة ثلاثة وثلاثين ألفا وستمئة وخمسة وستين بحثا وهو رقم يعكس حراكا بحثيا حقيقي.
وأعلنت وزارة التعليم العالي في مايو ألفين وواحد وعشرين أن العراق حقق زيادة ملموسة في نشر البحوث في مختلف التخصصات ضمن قاعدة بيانات سكوبس الدولية
وعلى صعيد التنظيم المحلي شمل التصنيف العراقي الأخير للجامعات تقييم مئة مؤسسة حكومية وأهلية وتقييم ألفين واثنين وسبعين قسما علميا وهو ارتفاع عن ألف وثمانمئة وخمسة وسبعين قسما في العام السابق.
العراق اليوم يقف عند مفترق طريقين مسار كمي يراكم الشهادات دون أن يبني رأسمالا بشريا فاعلا ومسار نوعي لا يزال في طور التشكل برامج الابتعاث جدية وتتوسع والبحث العلمي يسجل تحسنا نسبيا لكن المنظومة في مجملها لا تزال بحاجة إلى إصلاح هيكلي عميق يبدأ بسؤال بسيط وجريء هل هذه الشهادة تصنع خبيرا أم مجرد رقم في السجلات,