الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأمة تسبق الدولة .. كرة القدم سياسة والسلاح إمتحان الدستور

بواسطة azzaman

منتخبٌ أمام العالم وبلاد أمام سلاحها

الأمة تسبق الدولة .. كرة القدم سياسة والسلاح إمتحان الدستور

كاظم نزار الركابي

 

بعد اربعين سنة من صعود منتخب كرة القدم العراقي الى كأس العالم لأول مرة في التاريخ، سينتشر اسود الرافدين الذين تضمهم التشكيلة الأخيرة للمنتخب الوطني العراقي، على ملعب جيليت ستاديوم، مساء السادس عشر من حزيران بتوقيت بوسطن، وفجر السابع عشر بتوقيت بغداد، ليبدأوا مشوار السباق الطويل الى ذلك الكأس.

على مدى السنوات الاربعين تلك، نشأت اجيال معطوبة الذاكرة، جراء جروح تركتها فيها حروب ودم وخرائط مكسورة.

هذا المنتخب لن يحمل في ذلك اليوم القريب كرة فقط، وانما سيحمل شيئاً أثقل وأعمق هو البرهان الكبير على أن شعباً جُرِّب في أقسى مختبرات التاريخ لم ينكسر.

لكن....وقبل حلول ذلك اليوم، يأبى سؤال الا ان يقدم نفسه بقسوة: ماذا تفعل دولةٌ يتوحّد شعبها خلف منتخب، فيما لا تزال تفاوض على سلاحها؟

بعض الفصائل يعلن الاستعداد لوضع السلاح تحت سلطة الدولة، وبعضها يتحفظ، وبعضها يشترط، وبعضها يراهن على الزمن. والكابينة الوزارية نفسها لم تكتمل بعد، في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى أقصى درجات الاكتمال السياسي والأمني.

الواقع والسؤال القاسي، يفرضان مشهدين لا يجتمعان إلا في العراق: شعب يتوحد في الملعب، ودولةٌ تتعثر عند عتبة السيادة.

فجوة الوحدة الانتقائية

الشعب العراقي أنجز شيئاً نادراً في منطقة تتصدع على خطوط الطائفة والعرق واللغة والمذهب: أنجز هويته الجامعة. أسود الرافدين لا يمثلون مكوّناً ولا حزباً ولا جغرافيا مغلقة. هم منتخب العراق. ويحس بذلك السني في الموصل والشيعي في البصرة والكردي في أربيل والتركماني في كركوك والمسيحي والصابئي والإيزيدي، وكل عراقي يرى في القميص الوطني خريطة وجدانه قبل خريطة بلاده.

غير أن هذا الشعب المتماسك عاطفياً لا يجد دائماً دولة لها حجمها ومساحتها، وانما يجد نظاماً سياسياً تُنهكه التسويات، وسلاحاً يستمد شرعيته من مرجعيات تقع على حافة الدستور أو خارجه.

هذه هي “فجوة الوحدة الانتقائية”: الهوّة المتسعة بين شعب يتوحد في لحظات الرمز الكبرى، ودولة تتشظى حين تواجه الاستحقاقات السيادية الحقيقية. وهي فجوة جميلة في ظاهرها لأنها تكشف أن الروح الوطنية العراقية حيّة، وخطيرة في جوهرها لأنها تمنح صنّاع الوهم فرصة القول إن كل شيء على ما يرام، بينما الدولة الفعلية تنزف في الخفاء.

العاطفة الوطنية الجياشة تصنع مشجعاً مخلصاً. المؤسسات الراسخة تصنع مواطناً يقبل سلطة القانون وهيمنة الدولة على السلاح. وبين المشجع والمواطن مسافة سياسية لا يقطعها الهتاف وحده.

السلاح بوصفه فلسفة في الحكم

الخطأ الكبير، معالجة ملف الفصائل المسلحة كأنه إشكالية أمنية قابلة للحل التقني. الحقيقة أعمق. السلاح خارج الدولة في العراق ليس مخزناً من البنادق؛ إنه فلسفة في الحكم. تعبير عن قناعة راسخة بأن الدولة ليست المرجع الأعلى بين الجميع، إنما طرف من الأطراف يمكن التفاوض معه أو تجاوزه أو الضغط عليه باسم الضرورة.

حين تشترط قوة مسلحة خروج القوات الأجنبية قبل حسم موقفها من السلاح، فهي لا تعلن موقفاً أمنياً فحسب؛ تعلن مرجعيتها السياسية. وحين تقول قوة أخرى إن سلاحها وُجد للدفاع عن العراق، فهي تحتفظ لنفسها بحق تعريف التهديد وحق الرد عليه. وهذا بالضبط جوهر السيادة الذي لا تفوضه الدولة ولا تقبل الشراكة به.

دولة السيادة، لا تناقش حقها في احتكار العنف المشروع. قد تفاوض على آليات الدمج وجداول التسليم وضمانات المنتسبين، لكنها لا تفاوض على المبدأ. لأن الدولة التي تفاوض على أصل سيادتها تتحول من مرجعية إلى وسيط، ومن حَكَم إلى شريك، ومن سلطة عامة إلى طرف في ميزان قوى.

حين تسبق الأمة دولتها

ثمة قاعدة مؤلمة في تاريخ البلدان المضطربة: الأمم التي تنجز هويتها قبل أن تنجز مؤسساتها تقع في فخ وجودي خطير. تملك روحاً جماعية بلا جسد سياسي يحملها. وحين تأتي الأزمة، تتحول هذه الروح إلى موجة حماسية عابرة، لا إلى مشروع بناء دائم.

العراق يعيش هذه المعادلة اليوم. الفارق بين الأمة والدولة هو الفارق بين الحلم والمشروع. الأمة تحلم، والدولة تُنجز. الأمة تهتف، والدولة تبني. الأمة ترفع العلم، والدولة تحمي معنى العلم.

من هنا تبدو لحظة كأس العالم أكبر من مناسبة رياضية. إنها مرآة. تكشف للعراقيين ما يستطيعون أن يكونوه حين يتجاوزون الانقسامات، وتكشف لهم في الوقت نفسه المسافة الشاسعة بين صورة العراق في الملعب وصورة الدولة في السياسة.

امتحان الزيدي

حكومة علي الزيدي تواجه امتحاناً لا يشبه امتحان الثقة البرلمانية. الثقة تُمنح مرةً واحدة تحت قبة المجلس، أما السيادة فتُنتزع كل يوم من شبكة المصالح والولاءات والمخاوف. امتحان الحكومة الحقيقي الآن أن تُثبت، بالحوار حيناً وبالقانون حيناً وبالإرادة دائماً، أن الدولة ليست طرفاً يتفاوض على سيادته، إنما مرجعية اعلى لها قوتها في تحديد شروط الجميع دون استثناء.

المعادلة دقيقة. الضغط الأمريكي يدفع باتجاه حصر السلاح. الفصائل الرافضة أو المتحفظة تراهن على أن رئيس الوزراء الشاب لن يذهب بعيداً في مواجهة من سبقوه إلى السلاح والنفوذ. والقوى السياسية تراقب المشهد بعين الحساب لا بعين الدولة. وبين هذه الضغوط تقف الحكومة أمام لحظة فاصلة: إما أن تحوّل حصر السلاح إلى مشروع سيادة، أو تتركه يتحول إلى تسوية تحمل أسماء قانونية وتُخفي ولاءات قديمة.

الخطر الأكبر لا يكمن في بقاء السلاح خارج الدولة؛ يكمن في دخوله إليها محمّلاً بذاكرته القديمة. عندئذٍ لا تستعيد الدولة سلاحها، إنما تستضيف داخلها انقسامها.

 حين تهدأ الأهازيج

حين تهدأ الأهازيج، أكان أسود الرافدين عائدين إلى بغداد أم ماضين في مشوارهم، ستبقى الدولة أمام سؤالها الثقيل: هل ما بناه المنتخب في الملاعب يشبه ما تبنيه السياسة في المؤسسات؟

الشعوب التي تنجز في الملاعب وتتعثر في بناء الدولة تدفع ثمناً مضاعفاً، لأنها تعرف كيف تحلم، ولا تمتلك دائماً أدوات تحويل الحلم إلى مشروع. والعراق أمام فرصة نادرة: أن يجعل من وحدة الملعب العمود الأقوى في مشروع الدولة، لا مسكِّناً يخدّر الإحساس بحجم ما ينتظر.

الدولة التي لا تردم الفجوة بين شعبها المتوحد وسلاحها المتشظي تحكم على نفسها بالبقاء في المنطقة الرمادية: لا ضعيفة بما يكفي لتسقط، ولا قوية بما يكفي لتقود.

 

 


مشاهدات 52
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/06/08 - 3:45 PM
آخر تحديث 2026/06/09 - 3:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 204 الشهر 8061 الكلي 15883542
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير