الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حول لقاء الزيدي بالإعلاميين والمحللين

بواسطة azzaman

حول لقاء الزيدي بالإعلاميين والمحللين

عبد المنعم حمندي

 

​إنَّ لقاءَ السُّلطةِ التَّنفيذيَّةِ بالنُّخبِ الإعلاميَّةِ يُفترضُ أنْ يكونَ جِسرًا لتَشخيصِ الخَللِ وبناءِ الرُّؤى الحقيقيَّةِ، لا مِنبرًا للتَّلميعِ أو الدِّعايةِ المتبادَلةِ.

​لكنَّ الذي ظهر على شاشات الإعلام كان جمهرةً من أقلامٍ ووجوهٍ معروفةٍ، غيرِ متطابقةٍ في الرُّؤى والأفكارِ، بل إنَّ بعضها ممَّن يَصنعُ الإعلامَ الهابِطَ أو يُمثّلُ «الأقلامَ البائسةَ». وإنَّ تقديمَ هؤلاءِ على حِسابِ أصحابِ الكلمةِ الحُرَّةِ والفِكرِ الرَّصينِ — سواء كانوا مُعارِضينَ أو مُنتقِدينَ بموضوعيَّةِ — يؤدّي حتمًا إلى عزلِ صانِعِ القرارِ عن نَبضِ الشَّارعِ الحقيقيِّ. ​إنَّ المُشكلةَ في مثلِ هذهِ اللِّقاءاتِ تكمنُ في عِدَّةِ مَحاور:

​أولاً: صِناعةُ الوَهمِ وعَزلُ القِيادةِ: عِندما يَتحوَّلُ الإعلامُ مِن أداةِ رَقابةٍ وكَشفٍ للحقائقِ إلى مَنصَّةٍ لِـ «تَزييفِ الوعيِ»، فإنَّ الخَطَرَ الأكبرَ يَقَعُ على طروحاتِ الإصلاحِ نَفسِها. صانِعُ القرارِ — ومِنها رِئاسةُ الوُزراءِ — عِندما يُحاطُ بطُروحاتٍ مُضلِّلَةٍ تَمدحُ المَوجودَ وتُهادِنُ الفَسادَ، يَجِدُ نَفسَهُ مَعزولاً عَن مَسارِ التَّصحيحِ الفِعليِّ، وتَتحوَّلُ خِططُ مُحارَبةِ الفَسادِ إلى شِعاراتٍ تَعجزُ عَن النَّفاذِ إلى جُذورِ الأزماتِ.

​ثانيًا: الجِدارُ الزَّائفُ وتَرحيلُ الأزماتِ: إنَّ تَقريبَ «الأقلامِ الرَّخيصةِ» يَبني بِالفعلِ حِصارًا مِنَ «الرِّضا الوهميِّ». هذا الحِصارُ لا يَحجِبُ المَشاكلَ البِنيويَّةَ التي تعصف بالمجتمع عَن المَسؤولِ فَحسْب، بَل يَخلقُ فجوةً خَطيرةً بَينَ الرِّوايةِ الحُكوميَّةِ الرَّسميَّةِ وبَينَ مُعاناةِ الشَّارعِ المَلموسةِ، ممَّا يُؤدِّي في النِّهايةِ إلى زَعزعةِ الثِّقَةِ العامَّةِ بِأيِّ خُطوةٍ إيجابيَّةٍ قَد تُتَّخَذُ مُستقبلاً.

​لقد دعتِ الجهةُ المُنظِّمةُ وجوهًا يَعرفُها المُشاهدُ بتناقضِ طروحاتِها في الفضائياتِ، تحلّلُ حَسَبَ مَنهجِ القناةِ المُضيفةِ وعلى قَدْرِ ما تُدْفَعُ لها مِن أُجورٍ. وكان الأجدرُ بها أن تَدعوَ الأقلامَ الحُرَّةَ والرَّصينةَ التي تَنقَدُ بِعُمْقٍ وحِرصٍ؛ فدعوةُ أصحابِ المَواقفِ المَبنيَّةِ على نَقدِ العمليَّةِ السِّياسيَّةِ — مِن مَوقعِ الحِرصِ أو الرُّؤيةِ البديلةِ — هو الكَسبُ الحقيقيُّ والغايةُ الأساسُ من مثلِ هذا اللقاءِ، وبغيابِها يَخسرُ الوطنُ عُقولاً قادرةً على تَقويمِ المَسارِ، وتُخلى السَّاحةُ لِمَن يُداهنُ ويَبِيعُ المَدِيحَ العَابِرَ، فيُضلّلُ صاحبَ القرارِ بطروحاتٍ تُبعدُهُ عن مسيرةِ الإصلاحِ.​وللأسفِ، إنَّ إبرازَ هذه الشَّخصيَّاتِ الإعلاميَّةِ السَّطحيَّةِ يُعطي رِسالةً سَلبيَّةً للأجيالِ الصَّاعدةِ بأنَّ الوُصولَ والحُظوةَ يأتِيانِ عَبْرَ التَّملُّقِ والتَّبسيطِ، وليسَ عَبْرَ الرَّصانةِ والمِهنيَّةِ وعُمْقِ الطَّرحِ.

​إنَّ النَّقدَ الحقيقيَّ والمُعارَضةَ الواعيةَ هُما المِرآةُ النَّاصعةُ التي تَرى فيها أيُّ سُلطةٍ عُيوبَها لتُصلِحَها، وبِدونِ مَواجهةِ هذهِ المِرآةِ تَبقى الحلولُ سَطحيَّةً، والأزماتُ مُرحَّلةً، والوَطنُ في مَسيرتِهِ الإصلاحيَّةِ هو الخَاسِرُ الأكبرُ مِن غِيابِ صَوْتِ الحَقِيقَةِ.

 

 

 


مشاهدات 68
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/05/31 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/06/01 - 2:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 145 الشهر 145 الكلي 15875626
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير