النظرةُ المثيرةُ جدًا لِرَسولِ حَمْزاتوف حولَ النوعِ الأدبيّ
آدينه أحمد سعيد زاده
الجاهلُ يُغلبُ بالصراخِ والعُوَجِ،
والعاقلُ يُجابُ بالحِكمةِ والمثلِ.
إذا أقبلَ الربيعُ فغَنِّ للحياةِ،
وإذا أتى الشتاءُ فاحكِ حكاياتِ الأملِ.
ها أنا أقف عند سفحِ جبلٍ ينبغي لي أن أتجاوزه.إنَّ الفرسَ الجيّدَ يعبرُ بي كلَّ عقبة.الجبلُ هو موضوعي، والفرسُ هو لغتي.والآن عليَّ أن أختار الطريق الذي أسير به لعبور الجبل.كان كلُّ أجدادي من أهل الجبال يُفضّلون الطريقَ المستقيم.
إنه طريقٌ أصعبُ وأخطر، لكنه أقصرُ…وقد يدمّر الإنسانَ أحيانًا، لكنه قد يوصله إلى المقصد أسرع.أو كأنني أقف أمام قلعةٍ يجب أن أفتحها.ولدي سلاحٌ قويٌّ أحتاجه في المعركة.القلعةُ هي موضوعي، والسلاحُ هو لغتي.لكن عليّ أن أختار الطريق الذي يسهل به فتحُ هذه القلعةِ المنيعة.أأهاجمُها هجومًا مباشرًا، أم أحاصرها وأفتحها شيئًا فشيئًا؟وهناك حقلٌ زراعي، وفي الجدول الجبلي ماءٌ أيضًا.لكن كيف يمكنني أن أوصل ذلك الماء إلى هذا الحقل؟
هناك حطبٌ، وموقدٌ، وقدرٌ وصحنٌ، وبعضُ الموادِّ المطبوخة أيضًا.
ولكن، مع ذلك، أيُّ طعامٍ ينبغي أن يُطهى؟وقد منحني المحرِّر في رسالته حريةَ اختيار النوع الأدبي الذي أرغبه:
قصةٌ أم رواية، شعرٌ أم مقالة.وكلما اتسعت إمكاناتُ الاختيار، ازدادت صعوبةُ الاختيار نفسه.
من دفتر الملاحظات:في السنة الأولى كان يدرس عشرون شاعرًا، وأربعةُ ناثرين، وكاتبٌ مسرحيٌّ واحد.
في السنة الثانية بقي خمسةَ عشر شاعرًا، وأصبح الناثرون ثمانية، وبقي الكاتب المسرحي نفسه، وظهر ناقدٌ واحد.
في السنة الثالثة بقي ثمانيةُ شعراء، وارتفع عدد الناثرين إلى عشرة، وبقي الكاتب المسرحي كما هو، وصار النقاد ستة.
وفي نهاية السنة الخامسة بقي شاعرٌ واحد، وناثرٌ واحد، وكاتبٌ مسرحيٌّ واحد، وأصبح الباقون جميعًا نقّادًا.
هذا الكلام، بطبيعة الحال، مبالغةٌ ونكتة. ولكن من الصحيح أن كثيرين يبدأون بالشعر ثم ينتقلون إلى النثر، ثم إلى المسرحية، وفي النهاية إلى المقالة. وفي هذه الأيام أصبح الانتقال إلى كتابة السيناريو أمرًا شائعًا.بعض الملوك والأمراء يغيّرون زوجاتهم لأنهم لا يُرزقون بالأبناء. ولكن بعد أن يبدّلوا عدة زوجات، يتيقّنون أن السبب في عدم الإنجاب ليس في النساء. وفي المقابل، هناك فلاحٌ يعيش مع زوجة واحدة طوال عمره، وينجب ليس واحدًا فقط بل عشرين ولدًا.أما رأيي فهو: اشرب الخمر، ولكن لا تُعرض عن الخبز.غنِّ واستمع إلى الحكايات أيضًا.اكتب الشعر، ولا تبتعد كذلك عن القصة البسيطة.
كان زمنٌ كنتُ فيه نائمًا في المهد، وكانت أمي تهدهدني بالأغاني.ولم يكن لديها سوى أغنيةٍ واحدة للتهويد، ولا تعرف غيرها.
ومع أن والدنا كان شاعرًا مشهورًا، فإنه لم يكتب لأبنائه أيَّ أغنية تهويد.كان يروي لنا شتى القصص والحكايات والروايات.
وتلك الحكايات كانت نثره هو.لم يكن والدي يحب الحديث عن قصائده.وأظن أنه لم يكن يعدّ قول الشعر عملًا جادًا.
أما أعماله الجادّة فكانت: حراثة الأرض، إصلاح البيدر، رعاية الأبقار والخيول، إزالة الثلج عن سقف البيت، ثم المشاركة قدرالمستطاع في شؤون القرية وحتى في شؤون المنطقة.كان يكتب الشعر، لكنه لم يكن يهتم كثيرًا أين يُنشر.لم يكن يفرّق عنده إن نُشرت قصيدته في صحيفة مركزية أو في صحيفة جدارية لروّاد القرية الصغار.غير أنني كنت ألاحظ أنه كان يفرح أكثر إذا نُشرت في الصحيفة الجدارية.وكان يردّد كثيرًا قولًا نُسب إلى أنس بن محمد لابنه، الشاعر محمود، شاعر الحب الطاهر المشهور.فعندما يعود محمود، وقد أنهكه عشقُه وأغانيه، جائعًا عطشانًا، شاحب الوجه، ويطلب الطعام، كان أبوه يجيبه بهدوء…
«كل الشعر هو غذاءٌ للروح، فاشرب فوقه خمرَ الحب. أما أنا فقد تعبت من أن أجرّ المحراث بدلًا عنك إلى متى؟»طبعًا، حتى الطيور تحتاج إلى الغناء، لكن عملها الأساسي في كل الأحوال هو بناء العش، والبحث عن الطعام، وتربية صغارها.وكانوالدي ينظر إلى شعره كما ينظر إلى غناء الطيور؛ أي أنه جميل وممتع، لكنه ليس أمرًا ضروريًا.كان يعدّ شعره مثل تحية الصباح، أو توديع المساء، أو تهنئة العيد، أو كلمات التعزية.
هناك رأي يقول إن الشعراء أشخاص كثيرو الخيال، ولكل واحد منهم أسلوبه الخاص.لكن والدي من حيث طبيعته وأخلاقه كان رجلًا بسيطًا من أهل الجبال.كان يحب أكثر الجلسات الهادئة التي يتبادل فيها الحاضرون القصص والحكايات دون مقاطعة بعضهم بعضًا، أي أنه كان يحب النثر مرة أخرى.
وقد عرض والدي أولى قصائده على الشاعر المشهور محمود.
فقرأ محمود القصائد وتعجب، وقال له:
لم أفهم قصائدك، ولا أستطيع أن أتخيل كيف يمكن أن يُقال الشعر عن أشياء مثل البقرة، والجرار، والكلب، وطريقخونزاخ.
قال والدي بتواضع:
«عن ماذا أكتب إذن؟»
فأجابه:
«عن الحب، وعن الحب فقط! يجب أن تُبنى قصرٌ للحب.»
قصيدة محمود:
بنيتُ في الأرض قصرَ الحب،
لكنني أنام تحت جدرانه.
صنعتُ من شعور قلبين جسورًا،
لكنها تحطمت، وبقيتُ أنا والجبال.
لم يكن والدي يبني قصر الحب، ولم يكن يهتم أصلًا ببناء مثل هذا القصر.كان همه وموضع اهتمامه، وما يغذّي شعره، هو البيت والأسرة والأبناء، والقرية والخيول، والوطن والعالم، والأرض والسماء، والشمس والقمر، والمطر، والخضرة والأشجار.
كتب والدي مرةً قصيدة حبٍّ موجهةً إلى محبوبته، لكنه كتبها بالحروف العربية حتى لا يستطيع أحد قراءتها، لأنها كانت مخصّصة لها وله وحدهما فقط.نعم، كان والدي يحب الحكايات المليئة بالحِكَم.وفي المساء كان يجلسني على ركبته، ويغطي قدميَّ بطرف معطفه الجلدي الدافئ ذي الرائحة الطيبة، ثم يبدأ بسرد القصص.كان يروي عن أولئك الذين غادروا أوطانهم، وعن الذين بقوا في ديارهم الحبيبة.وكان يتحدث أيضًا عن الطرق والأنهار، وعن تفتح الأزهار ونزول النحل عليها لجمع العسل.وكان يصف شروق الشمس وغروبها.ويتحدث عن العادات والتقاليد القديمة، وعن العبادات قبل الحرب.وكان ينظر إلى السماء ويقول: غدًا قد تمطر أو يكون الجو صافيًا.كان يعرف أنه بينما تمطر في بعض الأماكن، قد تكون الشمس مشرقة فوق قرية تيليتِل، وفي الجبال خلف خونزاخ قد يكون البَرَد على وشك السقوط.
كان يحدّثني عن عدد حبوب سنبلة الجَوْدَر، وعن كيفية ظهور قوس قزح الجميل.وإذا رأى من بعيد مسافرًا ينتقل من قرية إلى أخرى، كان يستطيع أن يقول مسبقًا وبالتفصيل من يكون ذلك المار، وإلى أي عمل خرج، وفي بيت من سيقضي ليلته.آه، لماذا علّمني والدي كل هذا؟كان الأفضل لو أنه كتبها!لكانت كل هذه الحكايات نثرًا له، نثر الشاعر غمزات ساداسا.كان يرى الحكاية والحياة شيئًا واحدًا، ويعدّ الفكرة حكاية، والحكاية فكرة.وكان يشبّه الشعر بالقلب المتمرد القَلِق.كان سيكون أفضل لو أن والدي دوّن كل حكاياته.فبعد أن كبرتُ أدركت أن قلبي يأتي أولًا عندي.فعندما تمر طائرٌ من أمامي، لا أفكر إلى أين يطير ولماذا، بل أرغب أن أمد يدي إليه وهو في طيرانه.ومع أن والدي حاول كثيرًا وكان يروي حكايات كثيرة، إلا أنني في طفولتي كنت أحب أغنية التهويد الواحدة التي كانت تغنيها أمي أكثر من كل حكايات أبي.
مرت طفولتي كلها بالأغاني، وكذلك مرّت مرحلة مراهقتي بالأغاني، ونشأتُ مع الأغاني، وشيبتُ وأنا ما زلت أرافق الأغاني.لكنني أدركت الآن أنه أينما ذهبتُ وأيَّ أغنيةٍ أُنشد، فهناك دائمًا صخرةٌ تنتظر وصول نسرٍ ليحطّ عليها، وشجرةٌ تنتظرمجيء الطيور لتبني أعشاشها بين أغصانها، وبيتٌ ينتظر من يطرق بابه، ونثرٌ ينتظر قدوم شاعر.وها أنا الآن أنزل وأجلس على الصخرة التي تنتظرني، وأطرق الباب ليُفتح لي الطريق إلى الداخل.لقد فهمتُ أن كل ما رأيته وسمعته، وكل أفكاري ومشاعري، لا يمكن أن تتحول كلها إلى شعر.وأعرف أن النثر ليس أغنية يمكن أن تُنشد واقفًا؛ بل هو عمل يحتاج إلى أن تجلس إلى الطاولة، وتشمر عن ساعديك، وتضبط ساعة المنبّه على وقت مبكر، وتعدّ شايًا قويًا حتى لا يغلب النوم الليل.
إذا وُضع أساس البناء بشكل صحيح وشُدّت السقالات بإحكام، فإن بقية العمل في البناء سيستمر على نحو جيد.
ولا أدري ماذا سيكون هذا العمل: قصة، حكاية، أسطورة، رواية، فكرة، أم مقالة بسيطة.بعض المحررين والنقاد يقولون إن ماأكتبه ليس رواية ولا قصة ولا حكاية، بل لا يُعرف ما هو.بينما يرى نقاد ومحررون آخرون أن كتابي هو هذا وذاك في آنٍ واحد، وهو في الوقت نفسه الثالث والخامس والعاشر أيضًا.أما أنا فلا أعارض ذلك. بعد أن أنهي كتابة الكتاب، فسمّوه ما شئتم.
أنا لا أكتب وفق القوانين والقواعد الأدبية، بل أكتب بأمر القلب.والقلب لا يخضع لقانون واحد، بل لقوانينه الخاصة، وهي قوانين لا تناسب الجميع.أقول في نفسي: إذا وضعتُ في قدرٍ واحد اللحم والأرز والفواكه والفلفل، وأضفتُ الملح والعسل أيضًا، فهل يفسد الطعام؟ أم سيخرج طعامًا في غاية اللذة؟فليحكم من يجلسون إلى المائدة ويذوقون هذا الطعام.
قصتي، فكرتي، تأملاتي، وأساطيري!أتذكر أنه في طفولتي، كنت أترقب طريق إخوتي أو أبي، ولا يأتيني النوم في ليالي الشتاء الطويلة.كنت أستمع إلى صوت خطوات أو حفيف خلف الباب، فأصغي بانتباه، وكانت الدقائق تبدو كأنها ساعات طويلة.في تلك الليالي كان جدي يجلس أمامي ويبدأ بسرد الحكايات بهدوء.كان أحيانًا يروي أسطورة، وأحيانًا يغني، وأحيانًا يقول حكمة، وأحيانًا يهمس بأغنية تهويد.كانت قصصه أحيانًا مضحكة وأحيانًا مخيفة.
كنت أنسى الوقت، ولا أسمع إلا صوته، وتظهر أمام عيني مشاهد قصصه.وعندما يأتي أبي أو إخوتي، تنقطع حكاية جدي.
وكنت أشعر بالحسرة لأن تلك الحكاية الجميلة توقفت.وحين كبرتُ وصرتُ أتجول في العالم، كنت أعود إلى البيت في الوقت المحدد مثل أبي وإخوتي.وكلما اقتربت من البيت كان قلبي يزداد اضطرابًا ويخفق بسرعة، وأعدّ الأبواب التي أمرّ بها.وفي تلك اللحظات كان أحد رفاقي يبدأ بسرد قصة أو حدث أو أسطورة أو حكمة، فأصغي إليه بشغف.لكن قبل أن تنتهي الحكاية، كنا نصل إلى المنزل، فأشعر بالحزن لأن القصة لم تكتمل.
كان والدي يسألني:
«حسنًا، قل لي، كيف مررتم عبر الممر الجبلي؟ كيف كان الوادي؟ هل غطّاه الثلج؟»لكنني لم أكن أتذكر الجبل ولا الوادي ولا الثلج،بل كانت في ذهني فقط حكاية رفيقي المرح في السفر.كانت حكاياته في نظري تحول الجبال الشاهقة إلى وديان منبسطة، والثلج البارد إلى قطنٍ دافئ.حكاياتي، أفكاري!هل تستطيعون أيضًا تقصير ليلة الشتاء الطويلة لمن ينتظر أهله، أو طريق الشتاء البعيد لمن يسرع نحو منزله؟وفي كل موضع من حكاياتي البسيطة، أضع كما يضاف الكزبرة والريحان إلى طبق الأرز، بعض الأمثال والأقوال المأثورة لتصبح أكثر جمالًا وعطرًا.وكانت فتيات قرية تيلوح يضعن خالًا لامعًا في زاويتي شفاههن، فكنت أريد أن تكون أمثالي في نثري مثل تلك الخالات على وجوه الفتيات.وكما يُلصق الحجر غير المصقول في الجدار الأملس، كنت أربط ملاحظاتي وصفحات دفتري بحكاياتي.فليس كل حجرٍ يصلح للجدار.وأحيانًا، عندما أضع مثل هذه الحجارة غير المناسبة في جدار العمل وأواصل الحكاية، كان ينتابني شعور يعرفه المتدينون: كأن الصلاة قد قُطعت لكنها تُستأنف من جديد.في مثل هذه الحالات كان عليّ أن أنزع الحجر غير المناسب من الجدار.وهكذا كنت أنتقل من الشعر والأغاني المليئة بالعاطفة إلى الحكاية الهادئة، إلى النثر.لكنني، وإن انفصلت مؤقتًا عن الشعر، فإن الشعر لا ينفصل عني.إنه مثل قطةٍ لطيفة تدخل حضني وأنا نائم، ومثل أشعة الشمس التي تتسلل من وراء قمم الجبال عند الفجر كلما فتحت نافذتي.إنه ينتظرني مثل آخر رشفةٍ لذيذة في قاع الكأس، ويتبعني في كل مكان كأنني خانته امرأة فجأة.
يلحق بي ويمسكني ويقول:
«أحقًا تريد أن تفترق عني؟ لكن فكر جيدًا، هل تستطيع العيش من دوني؟ أنت صياد جبال اعتاد القمم الباردة، وأنت سمكة حرة اعتادت التيارات الجليدية. أحقًا تظن أن البحيرة الهادئة الدافئة ستعجبك؟ حسنًا، بما أنك تريد الرحيل، فلنجلس على الأقل وداعًا ونتحدث قليلًا.»يا شعر، أما تعلم أنني لا أستطيع أن أفارقك أبدًا؟هل أستطيع أن أفصل نفسي عن كل الفرح والغناء الذي يولد في قلبي، وعن كل الدموع والحسرة التي تخرج من قلبي وعيني؟أنتِ تشبهين طفلةً، عندما وُلدتِ كان الجميع ينتظر ولدًا،
لكنّك كأنك تقولين:أعرف أنكم لم تنتظروني، وربما لا يحبني أحد منكم الآن. لكن انتظروا فقط حتى أكبر وأكتمل، وأضفر شعري وألقيه خلف ظهري وأغني، ثم سنرى إن كان على الأرض من لا يعشقني أم لا.»
النَّظْم
العمل هو الذي تكون في فراغه راحة،
والسفر هو الذي بعد التجوال فيه سكينة وطمأنينة.
أنتِ بالنسبة لي سفرٌ وراحة في آنٍ واحد.
كنتِ عند مهد طفولتي تهويدة أمي،
وكنتِ حلم الشرف وفصل الزهرة الطرية.
وُلدتِ توأمًا للحب في قلبي،
فالحب جاء معي إلى هذا العالم يا رفيقة الروح.
كنتُ طفلًا، فبدوتِ لي كأنكِ أمي،
وفي شيخوختي صرتِ كأنكِ ابنتي الصغيرة.
تصبحين حنونة وتمنحين الشيخوخة كرامتها،
وحتى بعد موتي تحفظين لي احترامي.
أحيانًا أراكِ قمةً شاهقة لا تُنال،
وأحيانًا طائرًا أليفًا مغرّدًا يفيض حنانًا.
أنتِ جناحُ طيرتي،
وأنتِ درعُ جنديّي.
أيتها القصيدة، أنتِ كل شيء لي، ما عدا الراحة والسكينة،
وأخدمك دون أن أعرف تعبًا أو حزنًا.
لكن أين نهاية هذا الطريق؟ وأين وجهته؟
إلى أين أسافر؟ وأين نسيم الفرح والطمأنينة؟
أنتِ لي تعب الطريق، وفي الوقت نفسه راحته،
أنتِ لي متعة الحياة وفرحها، وفي الوقت نفسه قيدُها وأسرُها.
كان والدي يقول: لكي يُسكت ثرثارٌ كثير الكلام، ينبغي أن يتكلم أولًا شيخٌ محترم أو أحد الضيوف.فإن لم يتوقف ذلك الثرثار بعد كل هذا الكلام والمرح الفارغ، فحينها يجب أن يُطلب منه أن يغني.وإن لم يؤثر الغناء أيضًا، فعندئذٍ يمكن دون تردد الإمساك به من ياقة ثوبه وطرده خارج البيت.ومن يفسد الغناء بثرثرته يجوز حتى أن يُضرب بقبضةٍ مبللة بالماء.يا قصيدة، أنتِ نفسكِ تعرفين جيدًا أن كثرة الكلام لا تجعل منكِ أفضل أو أعلى شأنًا.هل يمكن بالكلام أن نرفع قيمة الغناء؟
هل يمكن صب الماء من صنبور إبريق الشاي لزيادة قوة نهرٍ جارٍ؟هل يمكن بالنفخ أن نزيد قوة الرياح؟هل يمكن بكمية من الثلج أن نزيد عظمة جبلٍ يلامس السماء؟هل يمكن بنوع اللباس أو طريقة قص الشارب أن نزيد حب الأم لابنها؟
النَّظْم
العالم بدونكِ كغارٍ مظلمٍ عميق،
غافلٌ عن ضياء الشمس ونورها.
وكأنه سماءٌ بلا نجوم،
أو حبٌّ بلا قبلةٍ ولا حدود.
كان العالم كبحرٍ، لكنه ليس أزرق هادئًا،
محرومٌ من الامتلاء والسكينة والراحة.
أو كحديقةٍ خاليةٍ من الخضرة والزهور،
لا بلبل فيها ولا صوتَ تغريدٍ أو صخب.
الأشجار بلا ثمر ولا أوراق، منحنية كأنها ميتة،
لا حرارة ولا برد، كأن الزمن قد توقف.
بنو آدم جميعًا كأنهم متوحشون ومحرومون،
والغناء… لم يكن موجودًا أصلًا في هذا العالم القاسي.
يقول الآوار: «الشاعر وُلد قبل مئة سنة من خلق العالم».ويبدو أنهم يقصدون بذلك أن العالم لو لم يشارك فيه الشاعر عند خلقه، لما كان بهذه الجمال.كنا ثلاثة إخوة وأختًا واحدة.وكانت أختنا أكبرنا سنًا.وقد وقع على عاتقها، كما هو حال كل امرأة من نساء الجبال، الكثير من العمل الشاق والتعب والهموم والأحزان.
كان والدي يقول لنا مرارًا:
«أنتم ثلاثة، وأختكم واحدة، فكونوا على علم بها واعتنوا بها، فليس لكم على وجه الأرض أقرب ولا أحنّ من الأخت».وهذا صحيح، فاختي هي أعزّ إنسانة عندي.لكن لديّ أختٌ ثانية أيضًا، ولا أدري أيّهما أحبّ إليّ أكثر. أختي الثانية هي الشعر، ولا أستطيع العيش من دونه.وأحيانًا أسأل نفسي: ماذا يمكن أن يحلّ مكان الشعر؟نعم، لديّ الجبال، الثلوج والمطر، الأنهار الجارية، النجوم، الشمس والقمر، الماء والخبز…لكن هل يمكن للجبال والمطر والشمس والزهور أن توجد بلا شعر؟ وهل يمكن للشعر أن يوجد بدونها؟إن لم يوجد الشعر، فإن الجبال ستصبح أكوامًا من الحجارة، والمطر مستنقعات بلا حياة، والشمس جرمًا سماويًا حارًا بلا معنى.وأعود وأسأل نفسي: ما الذي يمكن أن يحلّ مكان الشعر؟نعم، هناك البلدان البعيدة، تغريد البلبل، السماء، نبض قلب الإنسان… كل هذا موجود.لكن بدون الشعر، لن يكون لأيّ شيء منها معناه الحقيقي.فبدل البلدان البعيدة تصبح مجرد مفاهيم جغرافية،وبدل المحيطات تصبح خزانات ماء بلا قيمة،وبدل تغريد الطيور يصبح صراخ طيورٍ ذكورٍ وإناث،وبدل السماء الزرقاء يصبح مزيجًا من الغازات،وبدل نبض القلب يصبح مجرد دوران دم لا أكثر.نعم، هناك مفاهيم مثل اللطف والرقة، الحب والمودة، الجمال، الشجاعة، الحقد والعداء، الفخر والاعتزاز…لكن هذه المفاهيم هي التي وُلدت من الشعر، كما أن الشعر وُجد بها. لا يمكن لأحدهما أن يوجد دون الآخر.الشعر هو الذي يكوّنني، وأنا أكون شعري.نحن لا نستطيع العيش دون بعضنا، بل إننا في الحقيقة لا نوجد أصلًا أحدنا دون الآخر.لديّ لحم وعظام، لكن العين لا تستطيع أن تميّز أيّ عظمٍ سليم وأيّها مكسور ثم جُبر.لكن أشعة الأشعة السينية (الرنتغن) تُضيء أعماق جسدي، وتكشف ما هو مخفي داخلي أمام الناس.وقلبي مختبئ في مكان أعمق وأكثر أمانًا من الأضلاع والعمود الفقري والرئتين،لكن أنوار الشعر تُضيء وجودي، فتجعل كل حركات قلبي مكشوفة للناس.قلبي يصبح كأنه على راحة اليد، مكشوفًا وصافيًا،وقد أنارته أنوار الشعر السحرية، فأصبح الناس يرون أعماقي.والآلة الحاسبة الحديثة فيها آلاف الأسلاك والنقاط الصغيرة، ويُسند إليها حلّ أعقد المسائل المكوّنة من أعداد ضخمة.والكهرباء تتحرك عبر تلك الأسلاك والنقاط الكثيرة…
كل العمليات التي تجري في هذه الآلة المعقّدة لا يمكن لأيّ عينٍ بشرية ولا أيّ عقلٍ أن يستوعبها.
لكن في النهاية يظهر رقمٌ محدد، وهو الجواب والنتيجة النهائية لذلك العمل.وكذلك لا أحد يعرف ما الذي يجري في شرايين وجودي غير المرئية من مشاعر وحبّ، وعداء وكراهية.لكن في النهاية يولد الشعر، وهو المحصّلة الأخيرة والأسمى لما تستخرجه الروح من تجارب الحياة.لقد جُلتُ في الأرض كثيرًا؛ أحيانًا على ظهر حصان، وأحيانًا في طائرة متكئً