كلام أبيض
صاحبة القول الفصل
جليل وادي
حدثتني صاحبة القول الفصل التي لا تتراجع عن كلامها مهما كانت الأحوال، تلك التي ان قالت لم يكن أمامي سوى الاصغاء، وان ألحت الا التنفيذ، وان تلكأتُ الا الجفاء الذي يستغرق زمنا لترميم ما خربته يداي، بالتأكيد حضراتكم تعرفونها، ولا داعي أن اصرح لكم باسمها او قربها مني، فمنذ أربعين عاما وانا على هذه الحال، ولا أجد حرجا في بيان حالي لكم، فعلاقتي بكم متينة، ولا أظنكم ستفهمون كلامي على غير مقاصده، قد تسمونه دكتاتورية، لكني أحسه حبا، هي على غير عادتي لا تثرثر مثلي عند استرخائها، ولا تطلق وعودا رنانة في حالات تفاؤلها، فكثيرا ما نصحتني بأن لا أقدم وعودا عندما أكون بهيجا، فوعودي عند البهجة أكبر من قدراتي، ولكني هكذا، تشبه وعودي أمنياتي، مع اني أعرف منذ نعومة أضافري ان ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، لكن الطبع غالبا ما يطغى على التطبع كما يُقال.
حدثتني تلك التي تبادلني من الحب أعمقه، ومن الوفاء أشده، ومن المساندة ما يتعذر وصفه، ومن احتواء غضبي ما يدعوني الى الضحك على روحي، فأوبخ نفسي على عدم تحكمي بانفعالاتي، وهذه حكمة في غاية الرقي للرجل، وغاية الجمال للمرأة، فالمرء جميل بسلوكه وليس بشكله فحسب، لذلك يفقد كثيرون جمالهم ان تحدثوا او عند سلوكهم، فالجمال ليس في المنظور فقط، بل في ذلك الكامن بدواخل الأشياء.
حدثتني تلك التي أتلمس صباح مساء جمال روحها، وأناقة حديثها، ورفعة ذوقها، فقالت : يفترض بالانسان كلما امتد به العمر يزداد خبرة ونضجا وحكمة، ويكون معها متعلما من أخطائه، ومتجاوزا لعثراته، وقادرا على اصلاح نفسه، وهكذا يفترض بمن ينبري لقيادة سفينتنا السياسية، وكذلك الحال في مؤسساتنا، ألا ترى معي مثلا ان الكهرباء هذه السنة أسوء من التي قبلها، أدرك حجم التحديات، لكن المنطق يقول ان كل زمن يمر يجب أن يقابله تحسن ملحوظ، ليس في الكهرباء تحديدا، بل في جميع المجالات، وتساءلت بهدوئها المعهود : ماذا ستفعل الحكومات لهذا الكم الهائل من الخريجين العاطلين الذين يتضاعف عددهم سنة بعد أخرى؟، مع عجزها الواضح في ايجاد فرص عمل، أليس الأحرى بها التوقف لتأمل هذه الظاهرة واتخاذ الاجراءات المناسبة قبل فوات الأوان، ومع حسن اصغائي لها وعدم رغبتي بمقاطعتها، لكن عبارتها (بعد فوات الأوان) استوقفتني، وصرت مضطرا لمقاطعتها لأسأل ماذا تقصد بها ؟، فقالت : لو رأى من يقود السفينة الكارثة التي أراها، لقام بتأميم الكليات الأهلية، ولرفع معدلات القبول في الجامعات، مشكلتنا يا حبيبي ان الجميع لا يجد في نفسه مسؤولا، وأتمنى أن لا يُفهم كلامي خطأ.
وأنا أسمع هذا الكلام أحمرت أذناي خجلا بحسب وصف الشاعر يوسف الصايغ الذي كان يهاتف حبيبته التي تغزلت به فأحمّرت أذناه قبل خدوده، ولم تتوقف محدثتي عند هذا الحد، بل استطردت لتقول : ان الانسانية توجب على الحكومة ان توزع الرواتب قبل اسبوعين من موعد العيد على أقل تقدير، وليس قبل يوم واحد او يومين، لتتمكن العوائل الفقيرة من شراء ملابس العيد لأطفالها، بينما أجبرتهم على شرائها بأسعار مضاعفة، ما بعثر الراتب في غير محله، نتمنى أن يتفهم من يقود السفينة مواقف الرعية.
وماذا بعد قلت لمحدثتي فأجابت : في كل عيد تنتابي حيرة: الى أين أذهب بأطفالي، لا مكان مناسب يشبع حاجتنا للترويح، ما متاح لا يتسع، فتذهب المتعة بالزحمة، صدقني ان متعة الترويح تكمن في الفضاءات الخضراء الواسعة، وفي تجمع الناس، أليس غريبا ان أغلب مسؤولينا من خلفيات ريفية، لكن المناطق الخضراء في بلادنا شحيحة. في مدينتنا مساحة كبيرة نريدها غابة، بينما يريدونها مطارا، عندهم شغف لا يوصف بالمطارات، مع ان مطار العاصمة لا يبعد عنا سوى ستين كيلومترا، حاجتنا ماسة في كل محافظة لمتنزهات وغابات مصممة برؤية جمالية، فالموجود منها قبيح، ولا يحفز حتى على التقاط صورة تقول فيها : انا كنت هنا. استرسلت صاحبة القول الفصل فقاطعتها لكي لا يذهب خيالها أبعد من ذلك، وهل تظنين ان هذه الأمنيات قابلة للتحقيق؟، فقالت: سأمنحهم فرصة الى نهاية هذا القرن.
jwhj1963@yahoo.com