شهوة الفتوى
حسين الاعرجي
في المجتمعات المستقرة، يُنظر إلى الاختصاص بوصفه ضرورة لتنظيم الحياة العامة؛ فالطب له أهله، والاقتصاد له خبراؤه، والقانون له رجاله. أما في العراق، فقد تآكلت تلك الحدود تدريجياً حتى أصبح الرأي الشخصي بديلاً عن المعرفة، والانفعال بديلاً عن التحليل، والصخب بديلاً عن الخبرة. وهكذا نشأت ظاهرة يمكن تسميتها بـ«شهوة الفتوى»، وهي ليست مرتبطة بالدين وحده، بل تحولت إلى سلوك ثقافي عام يشمل كل مجالات الحياة.
فلا يكتفي العراقي اليوم بإبداء رأيه فقط بل يشعر غالباً بامتلاك الحقيقة الكاملة في كل ملف يُطرح أمامه.
المشكلة هنا ليست في حرية التعبير؛ فالمجتمعات الحية تقوم أساساً على النقاش. فالخلل الحقيقي يبدأ عندما يفقد المجتمع احترامه لفكرة الاختصاص نفسها. فالرأي في العراق لم يعد يُبنى على المعرفة، بل على الثقة المفرطة بالنفس، وعلى ثقافة تعد الاعتراف بالجهل نوعاً من الضعف. ولهذا صار كثيرون يتحدثون في قضايا معقدة دون قراءة أو دراسة أو حتى اطلاع أولي، مدفوعين بحاجة نفسية إلى الحضور والتأثير والانتصار في النقاش، لا إلى الوصول للحقيقة.
وقد عمقت وسائل التواصل الاجتماعي تلك الأزمة بصورة هائلة. فهذه المنصات لا تكافئ المعرفة الرصينة، بل تكافئ الإثارة والسرعة والحدة. فالخبير الحقيقي غالباً يتحدث بتحفظ ويشرح التعقيد ويعترف بالاحتمالات، بينما يفضّل الجمهور الخطاب الحاسم والسريع والمشحون بالعاطفة. وهكذا ارتفع صوت الهواة، لا لأنهم أكثر معرفة، بل لأنهم أكثر ضجيجاً.
لكن من الخطأ أيضاً اختزال الظاهرة في «جهل الناس». وأعتقد ان هناك أسباب أعمق تتمثل في ان المجتمع العراقي عاش عقوداً طويلة من انهيار الثقة بالمؤسسات كافة، التي عندما تفقد هيبتها، يشعر الفرد أن رأيه يساوي رأي المختص، لأن المرجعيات نفسها أصبحت موضع شك. هنا تتحول الساحة العامة إلى فوضى معرفية، حيث تختلط المعلومة بالشائعة، والتحليل بالانفعال، والخبرة بالاستعراض.
ولا يخفى على أحد ان الخطورة تكمن في أن هذه الثقافة لا تكتفي بإنتاج الضجيج، بل تؤدي عملياً إلى إقصاء أهل الاختصاص. فالمختص يحتاج إلى وقت ليفسر، وإلى أدوات علمية، وإلى لغة دقيقة، بينما تعمل الجماهير الرقمية بمنطق مختلف: من يصرخ أكثر ينتصر أكثر. لذلك أصبح كثير من الخبراء ينسحبون من النقاش العام، تاركين المجال للمؤثرين والهواة وأصحاب الخطابات الشعبوية.
رأيي إن أخطر ما في «شهوة الفتوى» أنها تُنتج مجتمعاً يستهلك الآراء أكثر مما ينتج المعرفة. مجتمعاً يفضّل الانطباعات على الوقائع، والشخصنة على التحليل، والانفعال على الفهم. وحين تصبح كل قضية ساحة صخب جماهيري، يضيع صوت العقل وسط التصفيق والاتهامات والمزايدات، ولاسيما ان دراسة علمية حديثة توصلت إلى ان الشعب العراقي هو الأكثر نرجسية في العالم! تخيل ؟
وأعتقد ان المشكلة لا تكمن في أن العراقي يتحدث في كل شيء، بل في أنه لم يعد يعرف متى يجب أن يصمت ليستمع. علما ان هذا المقال ليس نقدا بقدر ما هو تشخيص نعيشه كل يوم.