الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف الغريب  (20)

بواسطة azzaman

تطواف الغريب  (20)

حسن النواب

 

أذكرُ بعد حصولي على شهادتي الجامعية؛ وجدتُ نفسي بعد شهرين بالضبط أقفُ عند كل فجر في ساحة العرضات خدمة للوطن، وبعدها بأسابيع تعلَّمتُ سياقة الدبابة على عجلٍ؛ فالجبهة بحاجة إلى الجنود لكثرة الضحايا؛ وليقذف بي إِلى الخنادق المتقدمة من الحرب، وطيلة أكثر من عشر سنوات كنت أتجرَّع مرغماً بأنفاس متقطعة ذلك النهوض الصباحي كل يوم، مرة للعرضات ومرة للإنذار الكيماوي وأخرى لواجب الحراسة أو للاشتراك بمهمة قتالية ربما لا أعود منها أو لصد هجوم مباغت، حينها كنت أحلم بشهر واحد يمر على حياتي دون أن استيقظ فجراً، وحين تكسَّرتْ أنياب الحرب على ضلوعنا وانطفأ لهب نيرانها، تصوَّرتُ أنَّ حياة الراحة قد جاءت لي ناشرة ذراعيها، غير أني اصطدمت بمطاردة لقمة العيش؛ لأجد نفسي مرة أخرى استيقظ مع آذان الفجر؛ أدفعُ عربة خشبية إِلى ساحة الطيران كي أبيع البيض المقلي بالدهن حتى أجد ما يسد رمقي؛ ورمق أهلي الذين يتضورون من جوع أيضا بسبب الحصار، وصرتُ أحلم بذلك اليوم الذي أجد روحي وجثتي وعقلي غافية دون إزعاج ورعب حتى شمس الظهيرة. والحق عندما غادرتُ البلاد تحققت لي بعض الراحة  على فترات متقطعة حين استقر بي الحال في الأردن، لكن الراحة بمعنى الهدوء والسكينة لم أجدها إلاَّ في مهجري الأسترالي، على مدى سنتين وربما أكثر شبعتُ خلالها من النوم العميق ( الرباخ) الذي فارقني في البلاد، وكلما استيقظت من نومي كنت أردد هل هناك مزيد من الساعات أغفو بها على سريري بعيداً عن الهلع والرعب والجوع والخوف الذي كان يحاصرنا هناك، وعلى حين غرَّة تبدَّلَ مزاجي؛ وصرتُ أبحث عن استيقاظ مبكر يدرأ عني الكسل والخمول والبطر الذي صاحب حياتي التي تدلَّلتْ كثيراً في مهجرها، وهكذا انتفضتْ مجاهيل روحي بحثاً عن أي عمل يزيل عني هذا الكسل المقيت الذي استولى على حياتي، حتى عثرت على عمل في إحدى المزارع؛ لأشكم ما تبقى من عزم عندي إِلى ذلك، استيقظت فجراً لأقود سيارتي هذه المرة وليست دبابتي إِلى أرض المزرعة وليس إِلى أرض المعركة. كانت الشمس حارقة خارقة مثل رصاص الحرب فوق رأسي، وهمست لا تأبه لذلك استمر بالمقاومة؛ فهذا العمل أهون بكثير من حفر بالوعات لفضلات الضباط مع أول خيط للفجر عندما تذهب كجندي شغل مرغماً. في المزرعة التي يملكها كرواتي؛ كنتُ أنحني بجذعي لساعات طوال على ثمار الفلفل لقطافها؛ وعلى قطع رؤوس الخس بسكين حادة تشبه حربة البندقية حين ينفد العتاد ويكون القتال في السلاح الأبيض، وبرغم أنَّ العمل الذي كنتُ أزاوله من اختصاص دراستي الجامعية في زراعة البستنة، لكني كتمتُ ذلك عن أقراني من العمال ولم أتحمَّس وأخبر صاحب المزرعة أنَّ شهادتي الجامعية تؤهلني لأكون مهندسا زراعيا في هذه المزرعة وليس عاملا مبتذلاً. وضعتُ كل تلك الهواجس خلف ظهري وانغمرت بالعمل مثل أي كائن مأجور. ساعات طويلة نقطع بها رؤوس الخس والقرنبيط؛ وساعات أطول منها تحت شمس أستراليا الواطئة جدا نقطف بها الفلفل الحار والبارد وبألوان لا تخطر على بال، فهناك الفلفل الأزرق والأرجواني والأسود والبنفسجي؛ وهناك سبعة أنواع من الخس. شعرت باللذة لهذا العمل الذي ينتهي عادة مع غروب الشمس، ما عدتُ أجد فسحة من الوقت لفتح النت ومتابعة ما كتب الأصدقاء من خواطر وشعر وسوانح سياسية مليئة بالغل وبالشتائم! بل ما عدتُ أذكر أني كنت أكتب الشعر ذات يوم وما عدت أيضا أشرب ابنة الكروم مثل كل يوم، واستمر هذا الحال لمدة أسبوعين بكد وكدح؛ أنا شخصيا استغربت من نجاحي بمقاومة هذا العمل الشاق. ذات يوم عدتُ إِلى البيت مرهقاً؛ وقد اصطبغ وجهي بلفحات الشمس القاسية وحين هرعت طفلتي الصغيرة لاستقبالي صعقت في مكانها؛ لتلهج مندهشة هل أنت أبي؟ بالكاد عرفتني؛ إذْ أحالت الشمس الحارقة وجهي إلى كتلة من القار؛ فشهقت ضاحكاً صباح الخير أيها الفلفل؛ ومن يومها تركت المزرعة لأعود إِلى مهنة الكتابة؛ حيث الأسى الذي لا خلاص منه؛ والحرفة التي لا أجني من ورائها سوى المكابدة والحرمان؛ وصباح الخير أيها الفلفل، فلربما ترغمني الحاجة لقوتي على العودة لتلك المزرعة ذات يوم.

يتبع


مشاهدات 97
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/05/25 - 3:08 PM
آخر تحديث 2026/05/27 - 10:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 375 الشهر 26516 الكلي 15871710
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير