فوز شوشا جوهرة أذربيجان بجائزة ناجي الساعاتي
وسام علي الخالدي
ثمة كتب تُقرأ، وثمة كتب تُسافَر فيها. وبين هذين الفعلين مسافةٌ لا يقطعها إلا من امتلك ناصيةَ اللغة، وصفاءَ الرؤية، وعمقَ الانتماء. وكتاب «شوشا جوهرة أذربيجان» للدكتور معتز محي عبد الحميد ينتمي إلى هذا النوع النادر من الكتابة التي لا تكتفي بأن تنقلك من مكان إلى مكان، بل تنقلك من وعيٍ إلى وعي.
أدبُ الرحلات في تراثنا العربي ليس توثيقاً جغرافياً أو تسجيلاً للانطباعات العابرة؛ هو في أرقى تجلياته فلسفةٌ في التأمل، وسؤالٌ متجدد عن الذات حين تواجه الآخر، وعن المكان حين يتحول إلى هوية. وما فعله الدكتور معتز في هذا الكتاب أنه أعاد لهذا الجنس الأدبي كرامتَه المعرفية، حين لم يكتفِ بأن يكون سائحاً يُدوّن، بل كان مثقفاً يُفسّر، ومبدعاً يُعيد بناء المكان بالكلمة.
حين نتأمل مسيرة الدكتور معتز الأدبية والفكرية، لا نجد أمامنا كاتباً يملأ الصفحات، بل نجد مثقفاً عضوياً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ ذلك الذي لا تنفصل كتابته عن انشغاله بالإنسان والمكان والتاريخ. في زمن باتت فيه الكتابة صناعةً للمظهر، اختار الدكتور معتز المسلك الأصعب والأنبل: أن يكتب لأنه يرى، لا لأنه يريد أن يُرى. فجاءت نصوصه محمّلةً بتلك الأمانة النادرة التي تجعل القارئ يشعر أن الكاتب لم يخنه لحظةً واحدة.
شوشا ليست مدينة أذربيجانية بالمعنى السياحي الضيّق؛ إنها عقدةُ تاريخ ومفترقُ حضارات وجرحٌ ما زال يتنفس. أن تكتب عنها يعني أن تضع قلمك على خطٍ شعري من التوتر بين الجمال والمأساة، بين الذاكرة والنسيان، بين ما كانه المكان وما آل إليه. وقد أدرك الدكتور معتز هذه الإشكالية بحساسية الأديب ووعي الناقد، فجاء كتابه مزاوجةً موفقة بين الوصف والتحليل، بين الحضور الشخصي والأثر الجمعي، بين سردية الرحلة وسردية المكان الذي يحمل في أحجاره أكثر مما تحمله السجلات.
وكتابه «شوشا جوهرة أذربيجان» ليس إنجازاً معزولاً، بل هو ثمرةٌ طبيعية لعقل طالما آثر العمق على الانتشار، والحقيقة على الزخرفة. كتبَ عن مدينة لا يعرفها كثيرون، فجعلنا نشعر أننا فقدنا شيئاً من أنفسنا حين كنا لا نعرفها. وهذه هي علامة الكاتب الحقيقي: أن يمنحك ما لم تكن تعلم أنك بحاجة إليه.
إن الدكتور معتز يذكّرنا بأن أدب الرحلات ليس ترفاً ثقافياً، بل هو وعيٌ حضاري متحرك، يكسر أسوار الانغلاق، ويبني جسوراً بين الروح والعالم.
وإن في فوز هذا الكتاب بجائزة الأستاذ ناجي جواد الساعاتي لأدب الرحلات اعترافاً ضرورياً بأن الكتابة العراقية لا تزال قادرة على أن تحتضن العالم وتقرأه بعيون غير مستسلمة لبهرجة السطح.
فمبارك للدكتور معتز هذا التكريم المستحق، ومبارك للمشهد الثقافي العراقي أن يحتفي بأدب يُفكّر قبل أن يُزخرف.
ومبارك لهذا الرجل الذي حمل اسم العراق إلى شوشا وأعاد شوشا إلى قلوبنا، له منا كل التقدير والإجلال.
□ كلمة في حفل تكريم الدكتور معتز محي عبد الحميد