الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أنماط إعداد المنهاج الوزاري في الأنظمة البرلمانية

بواسطة azzaman

أنماط إعداد المنهاج الوزاري في الأنظمة البرلمانية

حسن الياسري

 

ثمة سؤالٌ يفرضه الواقع الدستوري بشأن طريقة إعداد المنهاج الوزاري، يتمثل بالآتي :

 هل ينبغي أن يكون المنهاج الوزاري عبارةً عن «مبادئ عامةٍ مركزةٍ» أو «تفصيلاتٍ مُحدَّدةٍ دقيقةٍ» ؟

   وللإجابة عن ذلك لا بدَّ من التنويه ابتداءً بأنَّ درجة التفصيل في مضامين المنهاج الوزاري تختلف من دولةٍ إلى أخرى، بيد أنَّ الاتجاه الدستوري الحديث يميل بوضوحٍ إلى تحويلهِ من (بيان نوايا عامة)  إلى (خطة حكمٍ قابلةٍ للقياس والمساءلة).ما يعني أنَّ هناك نمطين أو منهجين لإعداد المنهاج الوزاري : الأول هو (النمط التقليدي القديم)، والثاني هو (النمط الحديث).وثمة فجوةٌ بين النمطين أو المنهجين يمكن معرفتها من خلال الإشارة إليهما بإيجازٍ :

1-النمط التقـــليدي (المبادئ العامة) :

منهاجٍ وزاريٍ

لقد كان هذا النمط سائداً حتى منتصف القرن العشرين.وبمقتضاه تقوم الحكومات،ولا سيما الائتلافية منها، بصياغة منهاجٍ وزاريٍّ عامٍ و»فضفاض» لضمان موافقة الجميع عليه.فهو منهاجٌ قصيرٌ يتضمن مبادئ عامةً ذات طابعٍ سياسيٍّ، وهو أقرب إلى (خطاب العرش Throne Speech) أو (بيان الحكومة).كأنْ يرد في المنهاج مثلاً (تعزيز الأمن،حماية الاقتصاد، الاهتمام بالقطاع الخاص،تحسين الخدمات،الاهتمام بالصحة، مكافحة الفساد، تطوير التعليم..الخ)، دون ذكر أدواتٍ مُحدَّدةٍ أو خطواتٍ تنفيذيةٍ.

   ولعلَّ من إيجابيات هذا النمط مرونته وسهولة تمريره، بيد أنَّ سلبياته تتجلى بصعوبة مساءلة الحكومة بمقتضاه وتحولَّه إلى مجرد «خطابٍ أو إنشاءٍ أدبي» لا يمكن المساءلة عليه من جهةٍ ولا قياس نتائجه من جهةٍ أخرى.

2- النمط الحديث (التفصيلي) :

  وهو الذي يغوص في التفاصيل والأرقام. ويعدُّ الأكثر شيوعاً اليوم في كثيرٍ من الأنظمة البرلمانية الأوربية. وبمقتضاه يكون المنهاج الوزاري مفصَّلاً، زمنياً، قابلاً للقياس، مرتبطاً بالموازنة.وهو ما يؤخذ به مثلاً في ألمانيا والسويد وهولندا والدنمارك.ففي ألمانيا مثلاً تقوم الأحزاب المؤتلفة في الحكومة بإعداد اتفاقٍ مفصَّلٍ جداً قد يصل لمئات الصفحات يُعرف بـ «اتفاق الائتلاف» Coalition Agreement «» يتضمن كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، من قبيل السياسات، القوانين المطلوب تشريعها، الجداول الزمنية، التمويل، الأولويات القطاعية.هذا الاتفاق هو المنهاج الوزاري الفعلي الذي يُقدَّم للبرلمان، والالتزام به يكون صارماً.وفي فرنسا يمكن للحكومة أن تربط مسؤوليتها أمام البرلمان بمنهاجها الحكومي الذي يكون سياسياً واستراتيجياً، لكنه غالباً أكثر تفصيلاً من النماذج التقليدية.

إنَّ من إيجابيات النمط الحديث في إعداد المنهاج الوزاري الوضوح التام أمام الرأي العام وإلزام الوزارات بخطط عملٍ محددةٍ.أما سلبياته فتتمثل في كونه قد يصطدم بعقبات الموازنة أو التغيرات السياسية المفاجئة التي تجعل الالتزام بالتفاصيل أمراً صعباً.وعليه فالاتجاه الحديث يميل إلى ذكر الأهداف الكبرى بوضوح (مبادئ) مع إرفاق «منهجٍ تنفيذيٍ» يحتوي على جداول زمنيةٍ.

هل ينبغي أن يتضمن المنهاج الوزاري مؤشرات قياس الأداء (KPIs)بمقتضى المنهج الحديث :

   إنَّ مؤشرات قياس الأداء هي الأدوات التي تقيس النجاح رقمياً، وبدون هذه المؤشرات يبقى المنهاج مجرد وعودٍ. ولقد أضحى التطرُّق إلى تلك المؤشرات في الإدارة الحكومية الحديثة من أهم العناصر التي يتضمنها المنهاج.وهذه المؤشرات تشمل عدة أمورٍ، من قبيل :نسبة الإنجاز، معدل البطالة، ساعات تجهيز الكهرباء، نسبة الفقر، سرعة إنجاز المعاملات، مستوى الإيرادات غير النفطية، عدد المدارس أو المستشفيات المنجزة، مؤشرات الحوكمة والشفافية.وهذا العنصر مهمٌّ ذكره في المنهاج لأسبابٍ أربعةٍ :

1-تمكين البرلمان من الرقابة : لأن الرقابة لا تكون فعالةً دون معايير واضحة.

2-منع التنصُّل الدستوري والسياسي : إذ لا تستطيع الحكومة التنصُّل أو التهرُّب من مسؤولياتها الدستورية والسياسية الناجمة من الإخفاق في تنفيذ بنود المنهاج والتزاماتهِ.

3-الحيلولة دون ادِّعاء الحكومة النجاح بلا أرقامٍ مُحدَّدةٍ تكشف ذلك قطعياً.

4-ربط الثقة بالمسائلة : أي تحويل الثقة البرلمانية إلى مسؤوليةٍ فعليةٍ، فكما منح البرلمان الحكومة ثقتهُ فهو بهذه الثقة يُسائلها ويحاسبها.

هل يوجد إلزامٌ دستوريٌّ لإدراج كل هذه التـــفاصيل في المنهاج الوزاري ؟

دراسة موسومة

لا يوجد نصٌّ صريحٌ يُلزم بأن يتضمَّن المنهاج تفاصيل دقيقةً قد أشرنا إليها سلفاً في الدراسة الموسومة (الطبيعة الدستورية للمنهاج الوزاري) مثل الأولويات الاستراتيجية،آليات التنفيذ،الجداول الزمنية ومدد التنفيذ، مؤشرات قياس الأداء).بمعنى أنْ لا إلزام بضرورة أن يكون المنهاج الوزاري (مفصَّلاً،زمنياً،قابلاً للقياس).لكن منطق المسؤولية البرلمانية الحديثة ومبادئ الحوكمة الرشيدة والإدارة العامة المعاصرة كلها تدفع بقوةٍ نحو أن يكون المنهاج في هذه الصورة، أي» المنهاج الحكومي التفصيلي القابل للقياس والمساءلة» على وفق النمط الحديث، وبخلافه سيغدو المنهاج مجرَّد (وعودٍ) أو (خطابٍ أدبي). يتبع


مشاهدات 61
الكاتب حسن الياسري
أضيف 2026/05/19 - 3:50 PM
آخر تحديث 2026/05/20 - 12:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 39 الشهر 18550 الكلي 15863744
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير