هل يحتاج العراق إلى مدونات جديدة؟
عرفان الداوودي
في خضم الجدل الدائر حول فكرة إنشاء ما يُسمّى بـ”مدونة أحوال شخصية سنية”، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام حاجة قانونية حقيقية، أم اتجاه جديد نحو تكريس الانقسام بدل معالجته؟إن قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة 1959 يُعدّ من أبرز القوانين التي حاولت الجمع بين مختلف المدارس الفقهية ضمن إطار وطني واحد، وقد استند في كثير من أحكامه إلى الفقه الإسلامي، مع مراعاة طبيعة المجتمع العراقي وتنوعه. وعلى مدى عقود، مثّل هذا القانون أرضية مشتركة لتنظيم شؤون الأسرة بعيداً عن التقسيمات الضيقة.اليوم، تُطرح فكرة إنشاء مدونات منفصلة لكل مكوّن، وهو توجه يثير القلق أكثر مما يقدّم الحلول. فبدلاً من تطوير النصوص القانونية القائمة بما ينسجم مع متطلبات العصر، يجري الحديث عن تفكيك الإطار القانوني إلى صيغ متعددة قد تعمّق الفجوات داخل المجتمع الواحد.إن التجارب القريبة تُظهر أن التعديل ممكن دون اللجوء إلى الانقسام. ففي إقليم كردستان، لم يتم استحداث قانون منفصل بالكامل، بل جرى تعديل بعض أحكام قانون 188 بما يتلاءم مع خصوصية المجتمع هناك، مع الحفاظ على الإطار العام. هذه التجربة تعكس نهجاً عملياً يقوم على الإصلاح التدريجي لا القطيعة.كما أن الواقع الاجتماعي في العراق لا يعاني من فراغ تشريعي يستدعي إنشاء مدونات طائفية بقدر ما يحتاج إلى تحديث القوانين القائمة، وضمان تطبيقها بعدالة، ومعالجة الثغرات التي تظهر مع تغير الزمن. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في النصوص، بل في آليات التنفيذ وضعف المؤسسات.ومن زاوية أخرى، فإن الاتجاه نحو مدونات متعددة قد يفتح الباب أمام تسييس التشريع، بحيث تتحول القوانين إلى أدوات تعبير عن الهويات الفرعية بدلاً من كونها إطاراً جامعاً للمواطنة. وهذا ما قد ينعكس سلباً على وحدة النسيج الاجتماعي، ويُضعف فكرة الدولة المدنية التي يتطلع إليها الجميع.إن النقاش الحقيقي ينبغي أن ينطلق من سؤال الإصلاح لا الانقسام:كيف نطوّر قانوناً وطنياً يواكب العصر ويحترم الخصوصيات، دون أن يتحول إلى مجموعة قوانين متوازية تعمّق الفوارق؟
الخلاصة:
إن الطريق الأكثر توازناً لا يكمن في إنشاء مدونات جديدة، بل في مراجعة القوانين النافذة وتحديثها، والاستفادة من التجارب المحلية الناجحة، بما يحفظ وحدة الإطار القانوني ويعزز العدالة للجميع.
فالقانون حين يكون جامعاً، يعزز الاستقرار…
وحين يتشظى، يفتح أبواباً يصعب أغلاقها .