الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بحثاً عن أسئلة تلد أخرى

بواسطة azzaman

أذن وعين

بحثاً عن أسئلة تلد أخرى

عبد اللطيف السعدون

 

ميغويل بوساني باحث فنزويلي وكاتب عمود في أكثر من صحيفة من صحف أميركا اللاتينية، في مقال أخير له نشره في صحيفة «أولتماس نوتيسياس» ناقش علاقة إنسان اليوم بعالم «الانترنيت»، والجوانب السلبية التي قد تنجم عن هذه العلاقة مشيرا الى أن أيا منا كان عليه في الماضي أن يبذل جهدا مضنيا عبر عشرات المراجع والكتب كي يصل الى معلومة معينة أو اجابة على سؤال يتردد في ذهنه، فيما بإمكانه اليوم بضغطة زر واحدة أن يشاهد العالم أمامه في لحظة حركته ونشاطه، بل وأن يشارك في التفاعل معه، ويتبادل معه الرأي، ويطرح الأسئلة، ويحصل على الحلول في ثوان.

يضيف بوساني أن هذا كله ولد مشكلات جديدة من نوع مختلف حيث أصبحنا نستطيع الوصول إلى قدر أكبر من الحقائق العلمية الجاهزة التي أفقدتنا حرية الشك والتفكير النقدي والمراجعة والتأمل، ودفعتنا للقبول بكل ما يطرح علينا دون تمحيص، وهذا ما نبه إليه الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان في قوله أن هذه الحالة قتلت ملكة الابداع والتفرد لدى الإنسان، وحولته إلى ما يشبه الآلة الميكانيكية التي تقدم له البيانات في عملية فرض، ولا تمنحه فرصة لطرح الأسئلة، وخلص من ذلك الى أن «السؤال الذي يلد سؤالا هو الذي يصنع التغيير الذي لا تصنعه الفرضيات الجاهزة».

هكذا تبدو المفارقة واضحة، إن حضور الكم الكبير من المعرفة أمامنا لم يجعلنا أكثر حكمة، بل جعلنا أكثر اعتمادًا على الحقائق السطحية والأحكام الجاهزة حيث تعمل الأجوبة السهلة على إدمان الرتابة، والتكنولوجيا قد تعزلنا في فقاعات لا نعرف حتى أين نحن، ولذلك، فإن ما هو مطلوب اليوم هو فعل مقاومة، أن نرفض ما هو معد سلفا، ولنتذكر أننا عندما كنا أطفالاً كان العالم بالنسبة لنا عبارة عن متاهة لا نهاية لها، محورها سؤال «لماذا؟».. لماذا السماء زرقاء؟ لماذا الأرض كروية؟ لماذا لا نكبر بسرعة؟ ومع مرور السنين، تتلاشى عندنا الرغبة في السؤال حيث الروتين يأخذنا، والمسلمات المريحة  تجعلنا كائنات لا تملك خاصية الفضول، وعدم طرح الأسئلة يعني الاستسلام للعيش في عالم مسطح حيث يتم النظر إلى الحال على أنه غير قابل للتغيير، وحيث نغرق في شكل من أشكال المنفى الفكري الذي نفرضه على أنفسنا، ومن خلال التوقف عن السؤال فإننا نتخلى عن استكشاف «الأسباب» التي تكمن وراء المعايير والتقاليد والمواقف، وهذا لا يحد من فهمنا فحسب، بل ويساهم في ترسيخ أنظمة السلطة التي تعمل على إشاعة السلبية وإسقاط كل حافز للتغيير، وعندما لا نشكك في الأحكام المسبقة فإننا نصبح شركاء صامتين داخل الهياكل التي قد تكون ظالمة، والنتيجة الأكثر خطورة تكمن في تآكل قدرتنا على التصرف، وفي التخلي عن سعينا لإعادة اختراع أنفسنا، ونصبح سجناء للوضع الراهن.

فن حقيقي

وثمة أسئلة لا تنتهي بالإجابة، بل تلد أسئلة أخرى تخترق الروح، وتتكيف مع الزمن، ولا يتعلق الأمر فقط بما نطلبه، بل بكيفية حمل هذه الأسئلة أثناء سيرنا، وهذا يجعلنا نكتشف أن الفن الحقيقي في المجتمعات التي تعتاش على الإجابات السريعة هو التعامل مع الأسئلة التي لا نهاية لها، وأن الجمود يحدث عندما تترسخ في النفس يقينيات هشة يتحتم الدفاع عنها باعتبارها لا تقبل الشك

وينقل بوساني عن عالم الأنثروبولوجيا البريطاني- الأميركي جريجوري بيتسون مقولته أنه كلما زادت الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا حول المواقف والأحداث الماثلة أمامنا كلما أصبحت الإجابات أكثر فضولًا، وإذا كانت المدرسة تعلمنا البحث عن إجابات سريعة فإن التجربة تجعلنا ندرك أن الأسئلة غير المريحة هي التي تصنع التغيير، وأننا نخسر الكثير عندما نتوقف عن طرح الأسئلة، وتبدو اليقينيات تبعا لذلك أشبه بملخصات تدفع لاتخاذ قرارات قصيرة النفس، ولكن الأسئلة التي تثير التحدي مثلها تبقى هي الأكثر قيمة، ومن خلالها نسعى إلى إيجاد معنى لوجودنا، وفهم العالم من حولنا.      

وهكذا يبدو السؤال ليس أمراً صحيا فحسب، بل هو عمل تمرد، وترياق ضد اللامبالاة، وربما الطريقة الوحيدة لتجنب فقدان انسانيتنا.


مشاهدات 87
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/04/04 - 1:14 AM
آخر تحديث 2026/04/04 - 2:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 2656 الكلي 15220729
الوقت الآن
السبت 2026/4/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير