الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أذرعٌ طليقة ودولٌ رهينة

بواسطة azzaman

أذرعٌ طليقة ودولٌ رهينة

كفاح محمود

 

لم تعد أزمة الشرق الأوسط في صراع الدول وحده، بل في صعود أذرعٍ مسلحة صارت في غير مكانٍ أعلى صوتاً من الدولة، وأسرع فعلاً من القانون، وأكثر تأثيراً من المؤسسات، وهكذا لم يعد الوطن يُدار دائماً من عاصمته، بل كثيراً ما تُربك قراره شبكاتُ سلاحٍ وولاءاتٍ ومصالحَ عابرة للحدود، تتكلم باسم الوطنية، بينما تُضعف الدولة من داخلها، وتحوّلها إلى هيكلٍ مشغول بالخوف والعجز وردود الأفعال، فقد اكتشفت القوى الطامحة إلى النفوذ أن الطريق الأقل كلفة ليس الاحتلال المباشر ولا الحرب النظامية الشاملة، بل إنشاء أذرعٍ محلية تحمل السلاح، وتدخل المجتمع من أبوابه الأشد هشاشة: الفقر، والمظلومية، والهوية الجريحة، والفراغ السياسي، وانهيار الثقة بالدولة، ومن هناك تبدأ الحكاية: جماعةٌ ترفع شعار الحماية، ثم تتحول إلى قوةٍ موازية، ثم إلى سلطةٍ فوق السلطة، قبل أن تنتهي لاعباً يملك حق التعطيل والابتزاز وفرض الإيقاع على البلد كله.

دولة ضعيفة

المعضلة أن هذه الأذرع لا تنمو في الفراغ، بل تزدهر كلما ضعفت الدولة، وتُبقي الدولة ضعيفة لكي تبقى هي قوية، فهي لا تعيش على الاستقرار، بل على التوتر، ولا تتغذى على بناء المؤسسات، بل على تعطيلها، ولا يربح خطابها إلا حين يشعر الناس بأن الخوف أقوى من القانون، لذلك نراها في أكثر من بلدٍ عربي لا تحرس الحدود بقدر ما تفتح الحدود للنفوذ، ولا تحمي السيادة بقدر ما تُعيد تعريفها على قياس الجهة التي تمولها أو تبرر وجودها أو تستثمر فيها.

  في العراق ولبنان واليمن وسوريا أمثلةٌ موجعة على هذا المسار، فحين يصبح السلاح شريكاً للدستور أو بديلاً عنه، تغدو الدولة رهينةً لتوازناتٍ لا تصنعها المؤسسات، بل تصنعها البنادق والتحالفات والرسائل المتبادلة فوق أرض المنهكين، وعندها لا تعود الموازنة أداة تنمية، بل غنيمة نفوذ، ولا يعود الأمن وظيفة دولة، بل جزرَ سيطرةٍ متنافسة، ولا تبقى السياسة إدارةً للمصالح العامة، بل فناً لتأجيل الانفجار الكبير.

  والأخطر أن هذه الأذرع لا تكتفي بخطف القرار، بل تُفسد معنى الوطنية نفسه، فهي تُلبس التبعية ثوب القضية، وتمنح الارتهان اسماً نبيلاً، وتحوّل الاعتراض على فوضى السلاح إلى تهمة، وبذلك يختلط عند الناس معنى المقاومة بمعنى السيطرة، ومعنى الحماية بمعنى الابتزاز، ومعنى الدولة بمعنى الواجهة الشكلية التي تُدار من خلفها المصالح الثقيلة، وحين تصل الأمور إلى هذا الحد، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: من يملك حق منع الدولة من أن تحكم؟

  لهذا لم يعد إصلاح الشرق الأوسط ممكناً بمجرد تغيير الحكومات أو تدوير النخب أو توقيع التسويات المؤقتة، فالمشكلة أعمق من ذلك: هناك دولٌ فقدت احتكارها المشروع للقوة، وفقدت معه القدرة على صياغة قرارها السيادي بمعزلٍ عن سلاحٍ منفلت وولاءٍ مزدوج، وما لم يُستعد الاعتبار للدولة بوصفها المظلة الوحيدة للسلاح والقرار والشرعية، فإن الحديث عن الاستقرار سيبقى مجرد هدنةٍ بين جولتين.

  إن المنطقة لا تحتاج مزيداً من الأذرع، بل مزيداً من الدول، لا تحتاج وكلاء يرفعون الخرائط على فوهات البنادق، بل أنظمةً تحترم الحدود والسيادات والمصالح المشتركة، فحين تكون الأذرع طليقة، تصبح الدول رهينة، وحين تستعيد الدولة هيبتها، يسقط الوهم الأكبر: أن الفوضى يمكن أن تُنتج نفوذاً دائماً، أو أن السلاح الموازي يستطيع أن يبني وطناً.

 

 


مشاهدات 38
الكاتب كفاح محمود
أضيف 2026/04/02 - 1:16 AM
آخر تحديث 2026/04/02 - 2:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 1038 الكلي 15219111
الوقت الآن
الخميس 2026/4/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير