التحليل السياسي وحديث المقاهي
حامد الزيادي
فايروسات التفاهة والسذاجة والحماقة قد غزت ساحتنا بشكل لافت ومثير بفعل التضليل والتجهيل الموجه الذي إستهدفنا للخلق بيئة خصبة لمراكز قوى الشر الظلامية المتمثلة بقنوات ومؤسسات إعلامية ومراكز قرار محلية ودولية تعمل على خلق نمط معين من التفكير وإعادة تعبئته إلينا عبر خدمات توصيل مجانية، وترجع اسباب ذلك الى توسع ظاهرة اللاوعي واللامسوولية واللافهم الذي يراد من وراءه خلق ثقافة هجينة من الغباء والاستحمار والتبعية ، نتيجة الفوضى والتخبط الحاصل بتداخل المسؤليات والمهام وموازاة أهل الاختصاص والخبرة عبر تحليلات وإستنتاجات عقيمة وهزيلة وقاصرة تحمل عناوين دخيلة تتربع على المشهد بلا ضابطة أخلاقية و قانونية يصاحبها المال السياسي لشراء الذمم عبر مسك وتأسيس منصات الإعلام ووسائله لخلق تفكير موالي وحوار اعور مدفوع الثمن بشراء إمعات الإعلام وانصاف الإعلاميين ممن يُطلق عليهم بالمحلل والخبير والباحث والكاتب السياسي لإستهداف التفكير السليم والفكر الواعي لتغيير مساره بزيادة منسوب الكذب والتلفيق والتخبط من أجل خلق بيئة موبوة وملوثة لمساحة التفكير والحوار، عندما منعت الرجوع لأهل الاختصاص والخبرة والضالعين في الشان السياسي والستراتيجي من اكاديميين ومختصين بالبحث والتحري ومصادر الخبر الموثوقة ولهم رأي ورؤية في طرح ارائهم المهنية والموضوعية لمعرفة مسار الأحداث وتحديد معالمها كما يرجع المريض للطبيب والطالب للأستاذ، لكن ما يحصل من دخول السذج والبسطاء (والغشمه) ممن اتخذ من المقاهي والارصفة والطرقات ووسائل التواصل منصات إعلامية يروج ما يحلو له من أخبار في تناغم مع القنوات الصفراء في تبني تفسير الأخبار المزيفة والمفبركة دون ضابطة علمية وعقلية، وحتى لا تكون الساحة مستباحة من قبلهم ومن الابواق و(الزبابيك) والدخلاء على مهنة الإعلام والسياسة ممن يجيدون التاجيج الطائفي وإثارة النعرات والصراعات وتحريك قطعان المغفلين المغرر بهم ممن لا يملك الوعي والبصيرة وهم لا يحسنون الا الضجيج والزعيق والتطبيل لولاة نعمتهم واسيادهم ، فلا قيم وقواعد سلوكية عندهم فيكفرون من يخالفهم بالرأي ويستخفون به فلا يملكون حسن الحوار وادبياته، وامام غياب الثقة والحصانة في حدود القانون وشروط الأمن والسلامة التي تسمح لمساحات الحوار بتامين الحماية المطلوبة التي تساهم في تنمية (التفكير والحوار والرأي) وتهميش واضح لدور مراكز التحليل والبحث والتحقيق المستقلة ، وحتى نغلق الباب بوجه من هب ودب كي لا يستاثر بالحديث ويفرض رأيه ويقمع غيره ويحلل ويرتب اثر ويعطي الفرضيات والاحتمالات كما يشاء على التمني والتشفي وليس على التحليل الموضوعي والتفسير القانوني، وبالعودة لمساحات الحوار السابقة وبساطتها التي كانت تعتمد على المشافهة والمواجهة الشخصية وتبادل الأراء والأفكار على قواعد أخلاقية تكشف قوة وقدرة المحاور ورجاحته التي تحدد من يتفوق وينجح في تلك المناسبات والميادين وبمرور الزمن تطورت وسائل الحوار مع دخول التقنيات الحديثة عليها وكيف سهلت وسرعت نقل الخبر والحدث،لكنها اليوم اسهمت في تغيير صيغة الخبر ومضمونه ونوع الحوار ،لكن ما يحصل اليوم من تدخل التقنية الحديثة وتوظيفها بشكل سيء في آلية الحوار والخبر تجعلنا في خطر ينذر ويهدد مساحة الحوار ويشوه صورته مما قلص وضيق المساحة بدل ان تتسع وتتطور وهدد السلوك العام والذائفة الثقافية والمعلومة الدقيقة والحوار الهادف ، وما يحصل اليوم على منصات التواصل وصفحاته والقنوات الفضائية الموجهة التي انتقلت للمقاهي وأصبحت حاضنة لمحللي الصدفة وتجار الكلمة المسمومة من أهل التدين المضهري الذي قضى على قيم الحياة ومصداقية المجتمع وشرف الكلمة وشرف الانتماء وحولها الى أدوات لتجهيل المجتمع وتغيب أفكاره وتحجيم دوره ومسخه الذين رفعوا شعار (كذب كذب حتى يصدقك الناس) لخلق اعلام موجه يمرر من خلاله كم هائل من الاكاذيب والإشاعات لتشويه الحقائق وغسل العقول باستخدام التقنيات الحديثة من قبيل الذكاء الاصطناعي و(الفوتوشوب) والخداع البصري وغيرها لسلب دور أهل الاختصاص في توعية المجتمع وتنويره، وحتى نعيد التوازن وإعادة الثقة وترسيخ القناعة لابد من إعادة الاعتبار لهم وتمكينهم من أخذ مساحات أكبر وفسح المجال لهم والإكثار من منابر الوعي والوسطية والتقييم الواقعي والاختيار الصحيح للشخصيات التي تظهر للإعلام وإبعاد اشباه المحللين والقنوات الصفراء كي ننقي اجواء الإعلام الملبدة وبالتالي تتغير عقلية المتلقي ونعيد له فرصة التفكير السليم وبناء الشخصية الواعية التي تخدم الوطن وتدافع عنه.