حلم السلتي.. عالم يحتاج إلى تبصّر
عبد الحسين شعبان
يفتتح ماريو بارغاس يوسا الروائي الأمريكي اللّاتيني (من بيرو) روايته «حلم السلتي» (نسبةً إلى الشعوب السلتية، وتُعتبر مناطق أيرلندا، اسكتلندا، ويلز، بريتاني وغيرها، معاقل الثقافة واللغات السلتية اليوم) بتصوير حالة بطلها روجر كيسمنت، القابع في سجنه يتلمّس تخفيف حكم الإعدام عنه، ولكن سيتم إعدامه لاحقًا (1916) بسبب مثليته الجنسية، وليس لاتهامه بالتعاون مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، وتزويد الوطنيين الإيرلنديين بالسلاح للانتفاضة ضدّ هيمنة الإنكليز عليهم ومحو تاريخهم.
نص واحد
جمع يوسا ثلاث بلدان من ثلاث قارات من الصعوبة بمكان أن تجتمع في نص واحد، أحدها من أفريقيا (الكونغو) والثاني من أمريكا اللّاتينية (بيرو) والثالث من أوروبا (إيرلندا)، عِبر سيرة ديبلوماسي إيرلندي / بريطاني، ذهب إلى الكونغو لاستكشاف أفريقيا، ثم انتقل بعد عقدين من الزمن إلى الأمازون، وفي كلا البلدين حاول توثيق الانتهاكات الاستعمارية والممارسات الوحشية في الكونغو على يد بلجيكا وفي بيرو على يد بريطانيا، وفي رحلته تلك يستعيد أصوله الإيرلندية، ويتحوّل إلى قومي مناهض للاستعمار الإنكليزي.
تقرير شهير
اشتهر في رحلته الأولى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بتقريره الشهير، فأصبح محط اهتمام الصحافة والبرلمان والمقامات السياسية المختلفة، وإن تعرّض إلى نقد من جانب القوى الممالئة للعرش البلجيكي، وقد سعى الروائي يوسا إلى اقتفاء أثر روجر في يومياته التي يصفها ﺑ «السوداء»، تلك التي كان يتقصّى الحقائق والمناطق والبلدان والقارات التي زارها أو عاش أو اشتغل فيها، ليكتشف مادةً مذهلةً شكّلت جوهر روايته.
ومن السجن يعود روجر إلى استعادة أركانه الثلاثة التي تشكّل هندسة الرواية وبنيانها، إضافة إلى خاتمة هي أشبه بالاحتفاء المتأخّر بروجر كبطل قومي إيرلندي بعد أن كاد يلفّه النسيان.
لقد مزج يوسا الخيال بالواقع، ووظّف بعض الأحداث ليدوفها بالأساطير ويخلطها بالتقاليد لتكوين صورة المجتمع الذي يتحدّث عنه والذي يعيش بحالة استلاب ونزاع وهيمنة وخضوع ورفض.
على لسان البطل يستعيد الروائي همجية المستعمرين لاكتشاف القارة السمراء، فقد أهدى «الزعماء الأوربيون» المجتمعون في مؤتمر برلين العام 1885 دولة الكونغو إلى ملك بلجيكا ليوبيد الثاني، علمًا بأن مساحة الكونغو تزيد عن مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع، وهي أكبر من مساحة بلجيكا ﺑ 85 مرّة.
في الحالين التبرير البلجيكي أو البريطاني كان هو السعي لترقية شعوب أفريقيا وأمريكا اللّاتينية وتمدين سكّانها وفتح باب التجارة معها وإنهاء حالات الرق وإرسال المبشرين، تلك هي المسوّغات التي ساقها المستعمرون لاستعباد الشعوب، ولكن روجر الذي ظنّ أنه من ضمن «فريق التمدين»، سرعان ما تحوّل مع مرور الأيام إلى الضدّ من هذا الاعتقاد، بعد أن اطّلع وشاهد وعاش الواقع المرير لأهل البلاد الأصليين، لذلك أخذ يشعر بالخجل من رسالة المستعمرين الغزاة وأهدافهم الحقيقية، حيث كانوا يستغلون البشر وينهبون الثروات ويوقعون بهم عقوبات لا إنسانية ويوقعونهم على عقود مجحفة وشروط قاسية لتسخير طاقاتهم وتوفيرها لخدمة أسيادهم.
قلب الظلام
وكان للقاء روجر بالروائي جوزيف كونراد صاحب رواية «في قلب الظلام»، التي صدرت في العام 1899 دورًا حاسمًا في إدراك ظلم الكولونيالية، وذلك في استعادته الكونغولية للأزمنة والأمكنة، خصوصًا كشف الصور البشعة والوسائل الشريرة التي تُستخدم في انتهاك حرمة الكونغوليين وجلدهم بالسياط وقطع اعضائهم التناسلية وإذلالهم.
اكتشف يوسا في غمرة فوزه بجائزة نوبل للآداب 2010، وهو يقرأ مذكرات مستر أليس شيخ الجلادين الإنكليز كما كان يُعرف، ما يشير إلى فترة بقاء روجر في البيرو، فنسج منها هذه الرواية، التي تجمع بين السردية والتقريرية الصحفية والخيال الذي اختلط بفن القص والحبكة الدرامية، خصوصًا كجزء من التاريخ الاستعماري البريطاني في الأمازون، مثلما عاد إلى تتبّع أنشطة روجر في الكونغو، وفيما بعد نضاله من أجل إيرلندا، حيث أصبح ضدّ الاستعمار البريطاني والاستغلال الكولونيالي في الأمازون، ومنه إلى إيرلندا التي عاشت في داخله، كما يقول: «في الأدغال اكتشفت أناي الإيرلندية الحقيقية، ولم أجد وجه الملك ليوبيد الثاني...»، وحتى قبل إعدامه تمتم قبل أن يعانق الكاهنين «إيرلندا».
معروف ومجهول
حلم السلتي» تروي تاريخ كفاح معروف ومجهول لمقارعة الاستعمار، فحتى بعد استقلال الكونغو (1960)، ساهمت بلجيكا مع الانفصاليين الكونغوليين باغتيال الزعيم الأفريقي الكبير باتريس لومومبا (1961).
رواية حلم السلتي جعلتني أستعيد أجواء الأديبين العملاقين الكولومبي غارسيا ماركيز والمكسيكي أكتافيو باث، وكلاهما حاز على جائزة نوبل، وتشكّل أعمالهم الثقافية إضافة إلى يوسا صورة لقارة أمريكا اللاتينية، التي شهدت صراعات وتمزقات ومحاولات تسيّد وهيمنة خلال القرن العشرين.
أكاديمي ومفكر