الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكاري.. أول وسيلة نقل جماعي في بغداد

بواسطة azzaman

الكاري.. أول وسيلة نقل جماعي في بغداد

العربانه الخشبية تشق طريقها بين الكرخ والكاظمية

جواد الرميثي

 

يُعدّ “الكاري” أو ترامواي بغداد من أبرز المظاهر الحضارية التي عرفتها العاصمة في أواخر القرن التاسع عشر ، إذ مثّل أول مشروع حكومي للنقل الجماعي المنظم في المدينة. وقد أسهم هذا المشروع في تسهيل التنقل بين مناطق بغداد ، وربط مركزها بمدينة الكاظمية ، ليصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية البغدادية وصورة من صور الحياة اليومية في ذلك الزمن .

البدايات في عهد مدحت باشا

تعود فكرة إنشاء الترامواي في بغداد إلى زمن الوالي العثماني الإصلاحي مدحت باشا ، الذي حكم بغداد بين عامي 1869 و1872. وبعد زيارة قام بها إلى أوروبا واطلاعه على وسائل النقل الحديثة هناك ، سعى إلى نقل بعض مظاهر التطور العمراني إلى بغداد.

وفي عام 1870 افتتح أول خط للترامواي في المدينة ، ليربط بين الكرخ ومدينة الكاظمية عبر مسافة تقارب سبعة كيلومترات . وكان المشروع في بداياته يعتمد على عربات خشبية تسير على قضبان حديدية وتجرها الخيول ، لذلك عُرف بين البغداديين باسم “الكاري”، وهي تسمية مشتقة من كلمة Carriage الإنجليزية .

مواصفات عربات الكاري

كانت عربات الكاري مصنوعة في بريطانيا ، وقد تميزت بشكلها اللافت إذ تتكون من طابقين وتتسع لنحو 36 راكباً ، بواقع 18 راكباً في كل طابق. كما قُسمت العربات إلى درجتين:

الدرجة الأولى وكانت أكثر راحة .

الدرجة الثانية وهي الأرخص ثمناً .

ومن الطرائف أن تذاكر الركوب كانت تُطبع في لندن ، وهو ما يعكس الطابع الحديث للمشروع في ذلك الوقت . وكانت الرحلة بين الكرخ والكاظمية تستغرق ما بين نصف ساعة إلى ساعة تقريباً بحسب حركة السير وظروف الطريق .

مسار الرحلة ومحطاتها

كان خط الكاري يمتد عبر مناطق مفتوحة وبساتين كانت تحيط ببغداد آنذاك . وكانت العربات تتوقف في عدة مراحل لتنظيم الحركة وتبديل الخيول ، ومن أبرز تلك المحطات:

الجعيفر: حيث يوجد مقص للسكة ينظم مرور عربات الذهاب والإياب .

العطيفية قرب جامع براثا: محطة استراحة في منتصف الطريق .

الشوصة في الكاظمية: محطة أخرى لتنظيم السير قبل الوصول إلى المحطة النهائية .

وكانت أول عربة تنطلق من الكرخ في السادسة صباحاً ، فيما تغادر آخر عربة إلى الكاظمية عند العاشرة مساءً ، مع فاصل زمني يقارب ربع ساعة بين عربة وأخرى خلال النهار .

الخيول واصطبلاتها

كان تشغيل الترام يعتمد على الخيول التي تجر العربات ، إذ يجر كل عربة حصانان يتم تبديلهما خلال الرحلة لضمان استمرار الحركة . وكان عدد الخيول المستخدمة يقارب عشرين حصاناً .

وقد خصصت لها اصطبلات في محطتي البداية والنهاية:

اصطبل الكرخ كان قرب كراج الترامواي ، في الموقع الذي تشغله اليوم مدرسة الكرخ الابتدائية للبنات

 بيت ماجد

اصطبل الكاظمية كان في الشارع المؤدي إلى الكراج ، حيث يشغل المكان اليوم سوق “بيت ماجد” .

وكان للخيول سياس يشرفون على رعايتها وتنظيم عملها ، فيما كانت الخيول تُشترى من سماسرة الخيل أو من فرق الخيالة العسكرية ، وأحياناً من الخيول التي انتهت مسيرتها في سباقات الخيل .

الكراج والنجارخانة

كان مقر كراج الترامواي وورش صيانته في الكرخ ، قرب منطقة بيت النواب مقابل موقع إعدادية الكرخ للبنات حالياً . وكانت الورشة تُعرف باسم “النجارخانة” حيث يتم إصلاح العربات الخشبية وصيانتها.

لكن هذه المنشآت أزيلت لاحقاً عند افتتاح الشارع الطولي في الكرخ، الذي غيّر معالم المنطقة العمرانية في ما بعد .

مشروع الترام الكهربائي

في عام 1911 ، وخلال ولاية ناظم باشا ، مُنح التاجر البغدادي محمود شلبي الشابندر امتياز تشغيل ترامواي كهربائي بدلاً من الترام الذي تجره الخيول .

غير أن المشروع لم يرَ النور بسبب الاضطرابات السياسية آنذاك ، ثم اندلاع الحرب العالمية الأولى التي أوقفت المشروع قبل تنفيذه .

نهاية الكاري

استمر الكاري في خدمة البغداديين عقوداً طويلة ، وشهد بعض التطوير في فترة الاحتلال البريطاني بعد الاحتلال البريطاني للعراق ، إلا أن ظهور وسائل النقل الحديثة مثل السيارات والحافلات أدى تدريجياً إلى تراجع أهميته .

وفي عام 1941 تقرر إلغاء الترامواي نهائياً ، لتنتهي بذلك مرحلة مهمة من تاريخ النقل في بغداد .

الكاري في ذاكرة البغداديين

ظل الكاري حاضراً في ذاكرة أهل بغداد بوصفه رمزاً من رموز المدينة القديمة . فقد كان المشهد اليومي لعرباته الخشبية ذات الطابقين وهي تسير ببطء بين البساتين والبيوت الطينية جزءاً من حياة البغداديين ، خصوصاً للمتجهين إلى زيارة مرقد الإمامين في الكاظمية أو إلى أسواق الكرخ .

عودة الفكرة في بغداد الحديثة

بعد أكثر من ثمانين عاماً على توقفه ، عادت فكرة الترامواي إلى الواجهة مجدداً ، إذ طُرح مشروع “ترامواي شارع الرشيد” ضمن خطط إعادة إحياء بغداد القديمة وتأهيل مناطقها التراثية والسياحية خلال الأعوام 2025 – 2026 .

ويرى مهتمون بالشأن العمراني أن إعادة إحياء الترام في بغداد قد تعيد للمدينة جانباً من روحها التاريخية ، وتوفر وسيلة نقل سياحية وثقافية تعيد الربط بين معالمها التراثية.

وهكذا يبقى “الكاري” صفحة مضيئة من تاريخ بغداد ، شاهداً على أول تجربة للنقل الجماعي في المدينة ، وعلى مرحلة من مراحل التحول الحضري التي شهدتها العاصمة في أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين .

 

 


مشاهدات 44
الكاتب جواد الرميثي
أضيف 2026/03/28 - 12:27 AM
آخر تحديث 2026/03/28 - 1:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 22582 الكلي 15214650
الوقت الآن
السبت 2026/3/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير