فؤاد فتحي.. صوت يصدح بالموشحات والدروس
بغداد - جواد الرميثي
يُعدّ المطرب العراقي الراحل فؤاد فتحي واحداً من أبرز الأصوات التي أغنت الساحة الغنائية العراقية في النصف الثاني من القرن العشرين ، حتى استحق لقب “عبد الوهاب العراق” تقديراً لتمكنه الكبير من أداء أعمال موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بروح عراقية أصيلة ونَفَسٍ أكاديمي رصين .
ولد عام 1941 ، وارتبط اسمه منذ البدايات بالغناء الرصين والموشحات والقصائد ، فضلاً عن سجل حافل من الألحان التي عكست ثقافته الموسيقية العميقة . في العام 1966 التحق بـ معهد الفنون الجميلة ، حيث درس أصول الغناء والنظريات الموسيقية على يد الموسيقار جميل سليم ، وتعلّم العود لدى الموسيقار حسام الجلبي ، ودرس الصولفيج وقراءة الموسيقى على يد الموسيقار روحي الخماش ، الذي كان له الأثر الأبرز في صقل موهبته وتوجيه مساره الفني .
وفي عام 1969 ، دخل فؤاد فتحي دار الإذاعة والتلفزيون ضمن أكثر من 300 متقدم للاختبار ، ولم ينجح سوى ثلاثة فقط ، كان هو أولهم ، ليبدأ مشواره ضمن كورس الإذاعة ، قبل أن يلفت الأنظار سريعاً بصوته الدافئ وأدائه المتقن .وفي العام ذاته ، قدّم له الفنان ألفريد جورج (فريد البابلي) أغنيته الأولى في الإذاعة بعنوان “صوتك الساحر” ، لتكون باكورة أعماله الرسمية . غير أن الانطلاقة الأوسع جاءت مع أدائه لقصيدة “الخطايا” عام 1970 ، وهي من شعر كامل الشناوي وألحان محمد عبد الوهاب ، ومن مقام النوا أثر ، حيث نالت بصوته شهرة كبيرة بين الجمهور والوسط الفني .
عام 1973، قدّم عبر تلفزيون بغداد ، ضمن برنامج “حقيبة المنوعات” بإخراج عبد الهادي مبارك ، ثلاثاً من روائع محمد عبد الوهاب:“يلي زرعت البرتقال” (شعر أحمد رامي – مقام اللامي)،“في الليل لما خلي” (شعر أحمد شوقي)،“سكت ليه يا لساني” (كلمات أحمد رامي).
وقد أدهش بأدائه النقاد والجمهور ، فلقّبه الوسط الفني بـ “عبد الوهاب العراق” ، وهو لقب لازمه طوال مسيرته .
وفي 25 أيلول 1971 أعلن الموسيقار روحي الخماش تأسيس فرقة الانشاد العراقية ، وكان فؤاد فتحي من أوائل أعضائها وأبرز أصواتها . وقد أعجب الخماش بصوتين تحديداً من بين أعضاء الفرقة: عامر توفيق وفؤاد فتحي ، وكان يسند إليهما غالبية “الصولوات” تقديراً لاقتدارهما الفني .ويُعدّ فتحي من أشهر أصوات الفرقة ، إذ تميز بأداء الموشحات والقصائد بروح أكاديمية متينة وإحساس عالٍ .
وقدّم فؤاد فتحي باقة من الأغنيات التي بقيت حاضرة في الذاكرة ، من بينها:“قربك جنة وبعدك نار” ، “إنطيني عنوانك” ، “فرحني يا حبيبي” ، “يا طيبة” ، “بغداد يا قلعة” ، “سألت الشمس” وغيرها ، مؤكداً حضوره كمطرب يجمع بين الأصالة والطرب المدرسي المنضبط .
ولم يقتصر عطاؤه على الأداء، بل امتد إلى التربية الموسيقية ، ففي عام 1990 التحق مدرساً في معهد الدراسات الموسيقية بطلب من عميد المعهد سالم عبد الكريم ، ليدرّس مادة الصولفيج لطلبة المراحل كافة ، ومن بين طلابه آنذاك الفنان كاظم الساهر (كاظم جبار) في المرحلة الرابعة ، إضافة إلى عازفة العود آمال أحمد والطالبات هدير هادي وهند عزاوي .
وفي عام 1992 درّس المادة ذاتها في مدرسة الموسيقى والباليه بطلب من مديرها الأستاذ هشام شرف (نجل شقيقة الموسيقار منير بشير) ، وكان معاون المدير آنذاك الفنان عدنان محمد صالح . و كُلّف عام 1993 بتدريس الصولفيج في معهد الفنون الجميلة صباحي ومسائي لمدة ثلاث سنوات .وفي عام 1983 أعدّ برنامج “أصوات وأنغام” لتلفزيون العراق ، وقدّمته المذيعة مديحة معارج ، مستعرضاً فيه أغاني الأفلام .وفي عام 2000 عاد إلى العمل التلفزيوني مع الإعلامي طارق الحمداني ، وشارك في إعداد برامج منها “أرشيف السينما” و“أغاني الأفلام” و“سيرة فنان” ، فضلاً عن برنامج “ألوان” الذي أعدّه وقدّمه الملحن عباس جميل .
وشكّل عام 1992 فرقة موسيقية ضمّت باسل الجراح وزيدون تريكو صكر ، وكان هو عازف العود فيها ، فيما كان باسل الجراح عازفاً على السنطور ، وسافرا مع الفرقة إلى الأردن لفترة قصيرة قبل أن تتفرّق السبل .وفي مارس/آذار 2024 ، رحل فؤاد فتحي في أحد مستشفيات العاصمة المصرية القاهرة إثر جلطة دماغية ، عن عمر ناهز 83 عاماً، بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود من العطاء الفني والتعليمي .وبرحيله، فقدت الساحة الغنائية العراقية صوتاً أكاديمياً متميزاً ، جمع بين الطرب الأصيل والانضباط العلمي ، وترك بصمة واضحة في ذاكرة الغناء العراق ، وفي قلوب أجيالٍ تتلمذت على يديه وتغنّت بألحانه . لروحه الرحمة والمغفرة