الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فؤاد حسين.. إعادة تعريف موقع العراق في معادلة الشرق الأوسط

بواسطة azzaman

فؤاد حسين.. إعادة تعريف موقع العراق في معادلة الشرق الأوسط

عطا شمیراني

 

في لحظة إقليمية تتسم بتآكل أنظمة الردع التقليدية، وتبدّل خرائط النفوذ، وتراجع اليقين الاستراتيجي، يقف العراق أمام سؤال وجودي: هل يبقى ساحةً لتقاطع المصالح المتصارعة، أم يتحول إلى فاعل يملك قدرة المبادرة؟ في قلب هذا السؤال تتحرك دبلوماسية وزير الخارجية فؤاد حسين، بوصفها محاولة واعية لإعادة تعريف موقع العراق، لا فقط إدارة علاقاته.

العراق ليس دولة عادية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. فهو يجاور إيران وتركيا، ويتصل بالعمق العربي، ويرتبط بشراكة أمنية مع الولايات المتحدة. هذه التعددية في الروابط ليست امتيازًا سهلًا؛ بل معادلة شديدة التعقيد. أي انحياز حاد قد يفتح الباب لاصطفاف مضاد، وأي انكفاء قد يخلق فراغًا تستثمره قوى أخرى. هنا تتجلى أهمية المقاربة التي يمكن توصيفها بـ«التوازن البراغماتي»، وهي مقاربة تقوم على توزيع العلاقات بدل تركيزها، وعلى إدارة التناقض بدل الاصطدام به.

دولة اتحادية

خلفية فؤاد حسين السياسية — الممتدة من العمل الأكاديمي إلى إدارة مؤسسات إقليم كردستان ثم توليه وزارات سيادية في بغداد — تمنحه زاوية رؤية مزدوجة: فهم ديناميات التعدد الداخلي، وإدراك حساسية تمثيل دولة اتحادية في الخارج. هذه الخلفية تجعل من سياسته الخارجية امتدادًا لفكرة الاستقرار الداخلي. فالدبلوماسية، في الحالة العراقية، ليست منفصلة عن توازن المكوّنات، بل هي انعكاس مباشر له.

على المستوى الإقليمي، سعت بغداد خلال السنوات الأخيرة إلى لعب دور الوسيط في تخفيف حدة التوترات بين خصوم إقليميين. هذا الدور لم يكن مجرد مبادرة رمزية، بل تعبيرًا عن إدراك عميق بأن استقرار العراق مشروط بانخفاض منسوب الصراع في محيطه. حين تستضيف بغداد حوارات أو تسهّل قنوات تواصل، فهي لا تمارس رفاهية سياسية، بل تدافع عن أمنها الوطني بأداة الحوار.

في الوقت ذاته، تتعامل وزارة الخارجية مع ملف شديد الحساسية يتمثل في العلاقة مع واشنطن. العراق يحتاج إلى استمرار التعاون الأمني والتقني، لكنه في المقابل يواجه ضغطًا داخليًا يطالب بتأكيد السيادة وتقليص الوجود العسكري الأجنبي. إدارة هذا الملف تتطلب لغة دقيقة: لا قطيعة تُفهم كتحول استراتيجي، ولا تبعية تُقرأ كضعف. هذه المنطقة الرمادية هي مساحة المناورة التي تتحرك فيها الدبلوماسية العراقية.

أما العلاقة مع طهران، فهي معادلة أخرى لا تقل تعقيدًا. الروابط الجغرافية والاقتصادية عميقة، لكن الحفاظ على استقلال القرار العراقي يظل أولوية. هنا يظهر مفهوم «العراق أولًا» كإطار ناظم: ليس شعارًا دعائيًا، بل محاولة لترجمة المصلحة الوطنية إلى سياسات عملية، حتى لو تطلب ذلك توازنًا دقيقًا بين القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ في البلاد.

إضافة إلى ذلك، يبرز البعد الاقتصادي كأحد أعمدة السياسة الخارجية. فالعراق، الخارج من عقود من الحروب والعقوبات، يحتاج إلى إعادة تموضع في الاقتصاد العالمي. الدبلوماسية الاقتصادية — من جذب الاستثمارات إلى إدارة ملفات الطاقة والمياه — أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عمل وزارة الخارجية. في عالم تحكمه سلاسل الإمداد والتحالفات الاقتصادية، لا يمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد.

مؤسسات داخلية

مع ذلك، لا تخلو المرحلة من تحديات جوهرية. تصاعد التوتر في المنطقة، هشاشة بعض المؤسسات الداخلية، وضغط الرأي العام، كلها عوامل تضيق هامش الحركة. كما أن أي خطأ في الحساب قد يكلّف العراق موقعه الهش في معادلة التوازن. النجاح هنا لا يُقاس بالإنجازات الصاخبة، بل بقدرة الدولة على تجنب الانزلاق إلى أزمات كبرى.

قراءة تجربة فؤاد حسين لا ينبغي أن تكون اختزالًا في شخص، بل فهمًا لدور المؤسسة الدبلوماسية العراقية في مرحلة انتقالية. فالعراق ما زال يعيد تعريف نفسه بعد 2003، ويسعى إلى تثبيت صورة دولة ذات سيادة كاملة. وإذا كان ثمة معيار للحكم على هذه المرحلة، فهو مدى قدرة بغداد على التحول من ساحة نفوذ إلى منصة تفاعل متكافئ.

في نهاية المطاف، تبدو مهمة وزير الخارجية العراقي أقرب إلى فن السير على حبل مشدود فوق توازنات متغيرة. ليست المسألة في رفع الصوت، بل في خفض المخاطر. وليست في الانحياز لمحور، بل في حماية مساحة القرار الوطني. في هذا السياق، يمكن القول إن الرهان الحقيقي ليس على لحظة دبلوماسية عابرة، بل على ترسيخ عقيدة خارجية تجعل من الجغرافيا العراقية مصدر قوة تفاوضية، لا قدرًا جيوسياسيًا ثقيلًا.


مشاهدات 31
الكاتب عطا شمیراني
أضيف 2026/02/23 - 10:20 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 12:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 19 الشهر 18516 الكلي 14950159
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير