الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عالية ممدوح تتصالح مع المرض في خلوة النقص


عالية ممدوح تتصالح مع المرض في خلوة النقص

علي المقري

 

مع هذا، لا تمتدح الكاتبة المرض، وإنما تتصالح معه كمعيش يومي، يصبح جزءا من الحياة، كما الموت الذي لا يعد نهاية لهذه الحياة وإنما يعتبر مكملا لها، فـ”المرض لا يرغب في أي نوع من العداوة بينه وبين المريض، هو يريد أن يكون موجودا في حياتك كالمحبوب، فقط”. وهي تحتفظ بأمراض عائلتها منذ الطفولة، “إذ لا وجود لأمراض موسمية عندنا، فلدينا أمراض رتيبة ومتكررة. لا تجديد في أمراضنا، فكنا نتبع المرض كما لو كنا في مدرسة داخلية، لا يجوز الإفلات من طاعته.“

في البداية، نظن أننا نقرأ فقرات ميتا- سردية، حين نلاحظ حضور المؤلفة في فقرات تدل إليها. لكننا حين نمضي في القراءة سنعرف أننا أمام رواية سيرية، فولدها وصديقها عبد اللطيف مصطفى الذي تهدي إليه الرواية، ستذكره كثيرا في تفاصيل لاحقة، كما ستذكر أسماء معروفة من أهل الكتابة، مثل هدى إبراهيم وإشراق كرونة وإقبال القزويني وزائرين مثل الشاعر محمد العبدالله.

وفي سياق تأملي، تستذكر تجارب ومقولات عن المرض من نيتشه ورولان بارت وميشال فوكو الذي شرح مقدرة التحديق الطبي السريري بقوله إنها “أسطورة الطبيب الحكيم الذي يستطيع النفاذ إلى لب المشكلة الصحية ليشخصها ويعالجها“.

كما تستذكر قول شوبنهاور وهو على فراش الموت “ها قد تخلصنا من هذه الورطة بسلام!”، وكان يقصد الحياة. وتستحضر بعض من مروا على المستشفى العسكري في ضاحية بيرسي الذي تتعالج فيه، كما تعالج فيه عسكريون ومدنيون، ومنهم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي رقد في المستشفى وهو في حال غيبوبة من يوم 29 أكتوبر/ تشرين الأول حتى إعلان وفاته في الحادي عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2004.

سيارة الاسعاف

تدون عالية ممدوح، كل ما يحيط بها في المستشفى، بل وقبل الذهاب إليه. تكتب عن سيارة الإسعاف وصفارتها المميزة، عن المسعفين وقسم الطوارئ بأجهزته وممرضاته الخلاسيات وأطبائه “العشاق”، وطريقة تعاملهم معها. ولا تنسى ما يمر عليها من “أعراض ومتاعب وسعال وأوجاع وحرارة وغثيان وقشعريرة، ولهاث وأرق وضبابية في البصر”.  

    هكذا، تصبح كل الأشياء ممكنة ومقبولة، أو قابلة للحوار والفهم والتأمل، بما في ذلك الأسرة والملاءات والغرفة التي شيدت في عام 1930، قبل بدء الحرب العالمية الثانية، ولذا، مات فيها عشرات الأفراد، “مات والدان، وأطفال، وأحفاد، وغرباء. مسنون ومتقاعدون وشبان، نساء ورجال. ماتت نباتات متسلقة في أصصها أو سقطت مغشيا عليها من الوحدة. وماتت هنا يمامات وعصافير وكلاب وقطط وراء أصحابها. مات كتاب وفنانون وراقصات ورسامات وسيدات يفتحن أعينهن إلى آخرها فلا يتوقف النوم في جوفها، كلهن، ربما، رحلن فجأة وهن لا يعرفن ماذا يفعلن بأذرعهن المفتوحة للعناقات القصيرة الأجل، رحلن وحيدات وبقيت رائحة بعض الأصدقاء تلتهب وتصل إلى حدقات العيون.“

    تكتب أيضا عن جيرانها الباريسيين اللطفاء وسعالها الذي يرج جدران الشقة. وعن القوانين الفرنسية وإمكان أن يتضاعف صراخ الألم عاليا، حيث تحاول “القيام بإطلاق النار على قوانين منع الانتحاب بصوت مرتفع”. فالموت لا يتبعه حداد، وذكر الميت يحدد على الشخص نفسه، كما حال الجار تيري الذي لم تسمع أي نشيج على غيابه.

     لا يبدو الموت مستنكرا، أو مذموما، إذ هو “سلوى بطريقة ما”، يتأسس مع الحياة، التي كانت دائما تحت التأسيس.

     تناجي طيف المحبوب الذي لا نعرفه، تستدعيه “في هذه الفسحة المؤقتة بين موت وموت”، وتتحاور مع الأطباء الذين صارت تراهم كعشاق. تتساءل “لماذا يتعنت الموت وينتظرني طوال هذه السنين؟ لمَ علي الانتظار طويلا حتى يهدأ الغرام فيغدو مجرد رماد؟. “

ومع هذا، سنرى المرض يتجلى بأشكال أخرى كالحب والخوف و”اللجوء السياسي”، فتعتبر الجدة هذا الأخير نوعا من المرض. كما أن “الحرب هي مرض الإعداد لحالة الحداد”، إذ “يعتقد أن الحرب والعنف يأتيان من وضع الحاجة إلى الحب”.  

    هناك الكثير من اليوميات التي تتحدث عن تجارب أشخاص مع المرض، وبالذات مع مرض السرطان أو عمليات القلب، إلا أنها بدت في معظمها، عبارة عن كتابات تقريرية، تدون الأحوال المتغيرة للمريض وأوصاف مرضه وقلقه وخوفه، وكيف يواجه الموت المحقق حدوثه. وإن كانت بعض هذه اليوميات العادية بدت أكثر جاذبية من تلك التي نسبها أصحابها إلى أنواع أدبية، فإن بعض الأعمال التي اتخذت، في المقابل، صفة العمل الفني ظلت في إطار مستوى اليوميات الاعتيادية التقريرية.

     ما يميز كتابة عالية ممدوح هو خبرة السرد الذي يأخذ القارئ إلى كتابة متشعبة في سياق واحد، وبإيقاع فني يراهن على أن الكتابة إبداع لا تقليد، كما حال الكثير من الكتابات “الاصطناعية” التي صارت متشابهة بكلماتها وعباراتها وفقراتها، بل وبأدوات ترقيمها ونقاطها وحروفها.

فضاءات اللغة

     عالية ممدوح تكتب، كما ينبغي لمبدعة أن تكتب، تترك فضاءات اللغة تتشكل، حسبما يقتضيه عمر اللحظة. ولذا تتداخل عندها العبارة التأملية أو الوصفية مع الهذيان، تتنقل بالأزمنة كما تجول في الأمكنة من سكنها في الدائرة الخامسة في باريس إلى بغداد حيث ولدت، ودمشق وبيروت. فتسترجع بعض محطات من علاقتها بالعائلة، وبالذات جدتها، ولا تغفل كما في كتاباتها السابقة الإشارة، ولو بشكل أخف، إلى ما تلاقيه المرأة من محاولة لوأد إرادتها وحياتها.

     هذه الرواية بسردها المعتمد على الوصف والتأمل، إلى جانب تداخلها مع اليوميات، مثل ذكر رحلتها إلى لشبونة لإقامة فعالية أدبية، تحفز القارئ على إعادة النظر إلى المرض باعتباره حدثا عاديا، من المهم أن يتعامل مع تفاصيله كما يتعامل مع تفاصيل الحياة الأخرى، كأن يدرب حباله الصوتية على السعال. أو ينتظر الموت كما ينتظر طيف حبيب.

 

 


مشاهدات 40
الكاتب علي المقري
أضيف 2026/03/02 - 4:05 PM
آخر تحديث 2026/03/03 - 1:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 105 الشهر 2408 الكلي 14956477
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير