رواية القواش في ليالي طوال للمغترب حمودي عبد محسن
حميد الحريـزي
رواية (القوش في ليالي طوال ) للروائي العراقي المغترب حمودي عبد محسن من اصدارات دار السرد بغداد 2025 ، رواية يمكن ان نصنفها ضمن السرد التاريخي ، ومحاولة تحويل التاريخ الى سرد أدبي وما اطلقنا عليه في مناسبات متعددة ب( أدبنة التاريخ )، فهي ليس كتابة التاريخ كما كتبه المؤرخ ، بل هي عملية صياغة التاريخ بمخيلة الاديب الروائي المشبع بالحدث التاريخي الذي غالبا مايكون توثيقا لاحداث وظواهر وتوصيفات في فترة زمنية محددة كما يراها المؤرخ ، هذا التوثيق يكون عادة غير مهتم بالكثير من التفاصيل المصنعة للحدث ، او بالخلفية البانورامية للحدث أو الظاهرة الموثقة ، فهو لايهتم الا بصورة البطل الذي يراه هو مصنع الحدث وخالقه غير مهتما بالشخصيات او بالجنود المجهولين لصناعة الحدث ولولاهم لما كان النصر ولما كان الفشل ، كذلك لايهتم كثيرا بشكل وطبيعة وتوصيفات المكان الذي كان الرحم الذي يضم الحدث ويضفي عليه خصوصيته ومؤثراته ، وغالبا ما يهمل العوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في تصنيع الحدث ، كذلك فالمؤرخ يتحدث ضمن ظروفه وظروف عصره ، فغالبا لم يكن حرا في سرده للاحداث بل سيكون متاثرا ومراعيا لما يحيط به في عصره كارادة الحاكم وهيمنة القيم السائدة في ذلك العصر ، كما انه يتمسك بحدية وصرامة وجفاف التاريخ فلا يضيف اليه من خياله ليمنحه الجذابية والمرونة والشعرية التي تجذب القاريء والمتلقي ...
في حين يكون الاديب متحررا من كل ماسبق ، وهو يفتش عن سد كل ثغرات الحدث السردية التي اهملها المؤرخ في سرده للاحداث ، فهو يرى الشخصيات غير المرئية من قبل المؤرخ حيث لم يكن يرى غير البطل ويهمل كل ما حوله من صناع حقيقين للحدث التاريخي ، فمخيلة الاديب تخلق القوى الاجتماعية والابطال المجهولين للحدث ، ليس اعتابطيا ولا تصورا مجردا بل له ارتباط وثيق بالواقع الاجتماعي زمن الحدث والمدروس بدقة من قبل الاديب كما ان الاديب يهتم كثيرا بالمكان موضع الحدث، مواصفاته طبيعته ، جبال سهول وديان بحار ، صحراء ،وتاثيثه بالبناء والاشجار والحيوانات والطيور والحشرات وكانها احد صناع الحدث وراعيته كما تعرفها من خلال دراسته لجغرافية الحدث ليضفي على الحدث المزيد من الواقعية لتكون ملموسة وظاهرة امام المتلقي في زمن قراءة الرواية ...
كما ان الروائي لايهمل الوقائع العجائبية والغرائبية في التاريخ بل يضفي عليها المزيد من الخيال والطرافة ويعززها بالمزيد من الثراء الرمزي لتكون اكثر تعبيرا عن الحدث وظروف نشاته وتحولاته من دون ايهام المتلقي بواقعية الحدث الغرابي وحقيقته الاسطورية بقدر ما يضع امام عينه التصور الاجتماعي للحدث في زمنه ...
غالبا ما يخلق الاديب حكائا مولدا من جذر اجتماعي حقيقي في زمن الحدث وغالبا ما يكون شيخا كبيرا او جدة هرمة تلقن اليافعين والشباب حكاياتورثتها من جداتها ومن احداث عاشتها وعاصرتها ، كما ان الاديب الروائي يستقي احداثه من مخطوطات ورسائل سواء كانت حقيقية او منحولة من جذر تاريخي حقيقي تعرفه الاديب من خلال متابعته واطلاعه ... كل هذا لأضفاء المزيد من الواقعية والأقناع على الأحداث والحكايا في رواياته ،كما لايهمل الأديب دور الشخصيات الأسطورية الفاعلة في سد الخلل في تبرير الاحداث والظواهر التي تبدو غير معقولة وغير مقنعة ، وغالبا ماتكون راسخة في العقل الجمعي لزمن الحدث او بعد حدوثه بقرون ، كما هو دور الاله واشباه الاله والقوى السماوية في رسم تطورات الاحداث ، خصوصا حينما تعجز قدرات المؤرخ او سارده الشفاهي عن معرفة الشخصيات والظروف الحقيقية والواقعية في حدوث الحدث الذي يبدو في ظاهره غير ممكن الحدوث بقدرات الانسان الارضي وخارج عن قدراته ، وهذا الامر يعتمد على المنهج الفكري والعقائدي وثقافة الروائي الكاتب ...
غالبا ما يتجه الادباء الى أدبنة التاريخ او اعادة كتاباته بعد أن تزول كل العوامل الضاغطة والمعرقلة لكشف الوقائع والاحداث كما كان يعيشها المؤرخ في عهده ، كزوال السلاطين والطغاة والشخصيات الديكتاتورية الساعية الى كتابة التاريخ كما تريد وكما ترغب ، فتقلب الاحداث وتشوه الشخصيات وتفتري عليها بعيدا كل البعد عن الحقائق..فهنا تكون أدبنة التاريخ هي اعادة كتابة التاريخ ضمن واقعه الحقيقي في زمنه كما ينظر اليه زمن الاديب الكاتب استنادا علىالمصادر والروايات والوثائق المحظورة والمسكوت عنها زمن الحدث ، اي عملية ادبنة التاريخ هي اعادة اطلاق حرية اللسان والتاريخ ليكشف عن الحقائق والوقائع ....
لانريد ان نسهب كثيرا في رؤيتنا للرواية التاريخية او ما اسمنياه ادبنة التاريخ روائيا فلنعود الى روايتنا موضوع مقالنا ونعني بها رواية ( القوش في ليال طوال ) للروائي حمودي عبد محسن
فبعد ان عرفنا الروائي على اصل كلمة مدينة القوش وهي – ايل قوش – اله الجبل القديم خلق لنا الجدة مريام (الام النقية الطيبة ) ضمن عائلتها من زوجها بطرس الفلاح وكنتها وحفيدها توما ، حيث قررت هذه الجدة قائلة ((ساحقق شيئا لحفيدي ))، حيث عادت الى ذكرياتها وماسمعته من حكايات من قبل اجدادها حول تاريخ واحداث ألقوش، ومن خلال ماتحتفظ به من مخطوطات قديمة تحتفظ بها في صندوق خاص ، ارادت ان تغذي حفيدها بهذا التاريخ الغني للمدينة بعد ان شعرت بتقدمها في العمر وعليها ان توثق هذا التاريخ في ذاكرة الحفيد (توما )...
وقد تم لها ذلك اولا من خلال حياة وتحولات الكاهن الشاب (توديا):-
عبر سردياتها خلال (11) ليلة قبل رحيلها الابدي ... حيث يتميز الكاهن توديا بالزهد وحب مدينته القوش ، من خلال اعتكافه وعزلته ومجايلة سكن الكلدان الاوائل في الجبل ومن ثم رحيلهم ، وما كان يراقبه الكاهن من جمال وسحر طبيعة القوش اشجارها ووديانها وزهورها واطيارها الجميلة المغردة وما عرف حول كهف المياه العميق المعروف (بكادميا) موطن الكاهن ، وكيف غطت الثلوج القوش وحصدت الارض والزرع بتاثير من العاصفة الثلجية المدمرة، واحتراق (شجرة الورد ) التي كان يعشقها توديا ، ومن ثم عودتها للحياة والازهار بفعل قوة غير مرئية ...الجدة تشعر بضعف ذاكرتها فتلجا الى القراءة في مخطوطاتها لحفيدها توما حتى ينام ...
الحديث عن هيمنة الاشوريين عن طريق الملك العظيم سرجون الثاني ، وكيف عم الثراء والنعيم في كل ارجاء المملكة ، ومشهد احتفالات عيد الراس السنة (أكيتو)، والحكم في ظل حكم سرجون الثاني وبناء (دور شاروكين) اي قلعة سرجون وعاصمته الساحرة ، وما تم في عهده من تطور وصناعة الة الجرجر لدرس الحبوب في القوش وانشاء المعابد ... وكيف برع الكاهن توديا في تفسير حلم سرجون الثاني، مما قربه لسرجون ودعاه لمرافقته ...
يروي لنا قصة سبي اليهود على يد وقيادة سرجون في عام 720 قبل الميلاد ،ومن ضمن الاسرى الفتاة اجميلة (سارا ) التي اسرة قلب الكاهن توديا ...في معسكر (شبيثا كلوابي) قلعة الاسرى، قرب كهف المياه (كياد مايا) يتبادل الحب توديا والجميلة سارا ، الملك يستدعي توديا لمرافقته في الحرب فيقتل الاثنان في هذه الحرب مما يحزن سارا كثيرا ، وتموت سارا في حادث غامض...
تحكي له في اللية السادسة نبوءة النبي ناحوم بسقوط الامبراطورية الاشورية فيعم الخراب وتبدو (نينوى كبركة جف ماؤها ) ومن ثم موت النبي ناحوم ، بعد موت الملك اشور تنهار الامبراطورية الاشورية عام 612 ق.م على يد جيوش نبو خذ نصر بالتعاون مع جيوش الميدين ويذكر ان اشور بانيبال اسس مكتبة عظيمة في عهده ضمت 30 الف لوح طيني ...
- نبو خذ نصر يغزو مملكة يهو ذا وملكها صدقيا وقد احضر اليهو سبايا الى بابل عام 587 ق.م ..
- مع زوال اشور صعد الاله الكلداني مردوخ ليأذ مكانه كخالق كل شيء ومولى السماء والارض وحامي بابل ومعاقب الاشرار ص120
- سقطت بابل العظيمة دون معركة وتحولت الى مستعمرة اخمينية في عام 539 ق.م، وقد كافا الملك كورش اليهود المسبيين بان منحهم الخيار بين البقاء في بابل او العودة الى اورشليم
- وتستمر الحكيات ليلة بعد ليلة حيث ظهور السيد المسيح ،والريح الصفراء المحملة بالغبار ، فحل الجوع والعطش في منطقة القوش ، اخراج الاطعمة من الكهوف لاطعام الجياع ... ومن ثم ظهور الكاهن نبو المعروف بقدرته على التنبوء ، الحمامة البضاء وغصن الزيتون ، عودة المطر ونمو الزرع وعودة الجياع للقوش، نبو يغرس شجرة الزيتون ...وصول اخبار ظهور المسيح ... ادي تلميذ المسيح رسول الى ديار الابجر ، الملك الذي صار مسيحيا ، فكانت مملكة الرها اول مملكة تعتنق المسيحية وقد بنيت اول كنيسة في التاريخ في هذه المملكة .. نبو توما والمنديل المبارك في كنيسة مار قوزما عندما حكم الرومان مملكة الرها اخذو المنديل ونقلوه الى القسطنطينية.. وضع المنديل في كنيسة ايا صوفيا ثم الى كنيسة مار برتلما بمدينة جنوا شمال غربي ايطاليا حيث يحفظ هناك حتى اليوم .
ثم يستمر السرد للاخبار والتحولات من قبل الجدة الى حفيدها في الليلة الثامنة ومابعدها حتى الحادية عشرة، حيث استقر القديس هرمزد في جبل القوش وسيكون موطنه الاخير ، وقد هرع اليه اهل القوش الكرماء قائلين (( نحن في خدمتكم قديسنا المبجل بكل ماتحتاج) ص200 وبعد اكمال الجدة هذه الحكاية ذهبت الى النوم ووجدت صباحا ميتتة في فراشها ، وقد هب اهل القوش لتشيع جنازة الجدة الام الكبيرة ...
- بعد موت الجدة يحزن توما حزنا شديدا على فقدها ، ويتوجه الى صندوق مخطوطاتها ليتابع التحولات واخبار الناس في القوش وغيرها ، فيتابع مخطوطة الرهبان هرمزد ... ومن بعدها سقوط بغداد على يد المغول عام 1258 م . على يد هولاكو وقد كان الاضطهاد وللمسيحين والخراب الاكبر على يده وجيشه المتوحش جيش تيمور الاعرج ، وقد اجتاح بغداد عام 1401 م امر كل جندي ان يأتيه براسين من اهل بغداد ليشيد ابراجا من الجماجم ...
- وقد دخل جند هولاكو القوش... فاحرقوا البيوت والكنائس وجمعوا الابرياء قرب صخرة الحمراء في وادي هرمزد، ومارسوا افظع الشرور ، وهو ذبح المؤمنين بالسيف ، فقد تحولت خضرة الوادي النضرة الى اللون الاحمر من كثرة الدماء الذي نزفت فيه ))ص218
- وهكذا يلاقي المسلم والمسيحي نفس المصير من القتل والخراب وتعاني القوش كما عانت بغداد، وتعاني المساجد كما عانت الكنائس من شرور القتلة الاشرار
- اما الطاغية نادر شاه الذي اسمه الحقيقي نادر قلي فيرى نفسه اله على الارض حيث يقول (( اذا كان في السماء الها ، فلابد ان يكون فوق الارض الها ايضا ، وهذا الاله انا الاوحد الجبار)) ص224 وقد دخل جنده القوش عام 1743 م نهبوا ودمروا واحرقوا فتحول الى خراب ودمار استمر خمسة وستون عاما .)ص224.
- ومن ثم تعرضت القوش الى مجزرة كبيرة من قبل ((جحش العثمانين الامير الاعور (ميركوار) محمد الراوندوزي ثم ((احتل المجرم اسماعيل باشا حاكم العمادية ألقوش عام 1842م وارتكتب جريمته في نهب وتدمير الكنائس وحرق البيوت واقتاد الابرياء الى الصخرة الحمراء في وادي هرمزد ثم اراق دمائهم ) ص232 وهو حدث يذكرنا بمجزرة سبايكر ضد الشباب العراقي من قبل الدواعش القتلة في العصر الحديث .
- ثم يستمر الروائي بسرد الاحداث عبر (توما ) ليسرد الأحداث والتحولات التي تجري في المدينة ، وقصص الرهبان والقديسين ، وعشق توما الى سيرين الجميلة التي ماتت مسمومة على يد المسحورة الشريرة ليليث ، حينما شاهدت جمالها واعجاب توما ألقوشي بها وعشقها ...
- ليليث تسحر الملك فيدعوها الى قصره فيعم الخراب في المملكة، اخيرات تمزق جسد الملك وتعود الى الظلام ))392.
- وهنا تختم الرواية فصلهاالعاشر ، حيث اكمل توما قراءة المخطوطة التي كانت عند الحكيم يعقوب، وتبع توما القديس متبعا وصاياه ((اترك كل شيء واتبعني )) وفرار ليليث(( اشبه بدودة سامة تزحف على الارض غارقة في رائحة عفونتها )) ص397.
عبر حبكة سردية رصينة ن وبتفاصيل يبدو فيها اسهاب كبير في التفصيل تخفف اللغة الشعرية والوصفية الجميلة من ثقلها على القارئ ، استطاع الروائي أن يبدع في في ادبنة التاريخ وان يتخلص من تقريريته ، ويسد ثغراته المتعمدة من قبل المؤرخين ليطلع القاريء المتلقي عموما وألقوشي خصوصا على تاريخ مدينة القوش الحافل بالاحداث ، الحافل بالخير والجمال والخيرات والمسرات والحب والجمال ، كما انه حافل بالالام والاوجاع والويلات والدموع ، حافل بالحرية والسلام ، كما انه تعرض للقمع والبطش والعذاب والخراب على ايدي المجرمين الاشرار والقتلة في عهود مختلفة ، يعايش القاريء حياة وحكمة وعطاء وزهد الرهبان والكهان الذين امنوا بصدق مبادئهم واسترشدوابحياة العظماء والحكماء ، اللذين كانوا اوفياء لاديانهم ولحياتهم المشبعة بروح الانسانية والعطاء ، لنشر الحب والحنان والتضحية بين البشر ومن اجل ازدهار ورقي الحياة ...وبذلك ارى ان الروائي حمودي قد الم باغلب ان لم اقل بكل اشتراطات أدبنة التاريخ في هذه الرواية كما في رواياته السابقة في هذا المجال كروايته حول الاحبة الصابئة والازيدين ...
اشعر ان الروائي يعدنا برائعة روائية ثانية تلقي الضوء على تاريخ القوش الحديث وتحولاتها خلال العصر الحديث ، وحياة وتاريخ ابطالها النجباء الأحرار من النساء والرجال في نشر الحب والسلام والحرية والعطاء ، ومقاومة شرور وطغيان الديكتاتوريين والجهلة وقدموا أرواحهم ودماءهم من أجل كرامة الاأسان وحرية الأوطان .
حميد الحريزي 25-2-2026