الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ديماس،،اسرار الايام السود

بواسطة azzaman

ديماس،،اسرار الايام السود

 

رواية «ديماس» الصادرة عن دار الصحيفة العربية عام 2025 تنتمي إلى ذلك النمط من السرد الذي لا يكتفي بإعادة تمثيل التاريخ، بل يعيد مساءلته وتفكيك بنيته الرمزية. منذ العتبة الأولى ينهض العنوان بوصفه مفتاحًا تأويليًا عميقًا؛ فالديماس في الدلالة اللغوية هو السجن المظلم تحت الأرض، بما يحمله من إيحاءات العزلة والاختناق وغياب الضوء. غير أن الرواية لا تتعامل مع الديماس كمكان فحسب، بل كحالة وجودية ممتدة، حيث يتحول الظلام إلى بنية نفسية وتاريخية معًا.

تنطلق الرواية من استحضار السجن الذي ارتبط بالحجاج بن يوسف الثقفي، ذلك النموذج الذي ترسّخ في الوعي الجمعي بوصفه مثالًا صارخًا على بطش السلطة. غير أن السرد لا يتوقف عند التوثيق أو إعادة البناء التاريخي، بل يعمد إلى تحويل هذا السجن إلى رمز مؤسس لفكرة القمع المتوارث. فالسجن الذي شُيّد في زمن بعينه لا ينتهي بانتهاء عصره، بل يتناسخ بأشكال متعددة، وكأن القسوة بنية قابلة للانتقال من سلطة إلى أخرى، ومن زمن إلى زمن. بهذا المعنى، لا يصبح الحجاج شخصية تاريخية معزولة، بل تمثيلًا أوليًا لمنظومة تستمر بأقنعة مختلفة.

تعتمد الرواية على تداخل الأزمنة، حيث يتجاور الماضي بالحاضر في بنية سردية تكشف أن ما يبدو تاريخًا منقضيًا إنما يتكرر بصيغ حديثة. هذا التداخل يمنح النص طاقة دلالية واسعة، إذ يضع القارئ أمام مقارنة ضمنية بين ما كان وما هو كائن، دون أن يسقط في المباشرة أو الخطابة. فالسرد يتحرك عبر طبقات من الوعي، ويمنح الشخصيات عمقًا نفسيًا يعكس أثر السجن في الداخل قبل الخارج. القيود ليست حديدًا فقط، بل خوفًا وصمتًا وانكسارًا داخليًا.

اللغة في «ديماس» تميل إلى الكثافة والتصوير، فتخلق مناخًا داكنًا يتناغم مع فضاء الرواية. تتشكل العتمة كعنصر جمالي متكرر، وتتحول السلاسل إلى استعارة مركزية للهيمنة. لا يقتصر القيد على المعصم، بل يمتد إلى الفكر والذاكرة والقدرة على الحلم. وهنا تتجاوز الرواية حدود الحكاية إلى مساءلة فلسفية لفكرة الحرية نفسها: هل الحرية غياب الجدران، أم قدرة الروح على مقاومة الانكسار؟

تطرح الرواية سؤالًا عميقًا حول علاقة الإنسان بالسلطة، وحول قابلية التاريخ لإعادة إنتاج نماذجه الأكثر قسوة. إنها لا تقدم خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل تنسج رؤية أدبية ترى في السجن بنية ذهنية تتوارثها العصور. ومن خلال هذا المنظور، تتحول «ديماس» إلى نص يشتبك مع الذاكرة الجمعية، ويستدعي الماضي ليحاكم الحاضر دون أن يسميه.

تكمن أهمية الرواية في قدرتها على الجمع بين البعد التاريخي والبعد الرمزي، وبين التوثيق والتخييل، بما يمنحها أفقًا تأويليًا واسعًا. فهي ليست سردًا عن سجن بعينه، بل عن فكرة السجن حين تتحول إلى قدر اجتماعي وسياسي. وبهذا المعنى، تندرج «ديماس» ضمن الأعمال التي تسعى إلى تفكيك بنية القهر في الثقافة العربية، وتقديم قراءة أدبية لتاريخ طويل من الصراع بين السلطة والإنسان.إن «ديماس» عمل يرسّخ حضور شوقي كريم حسن في مشهد الرواية العربية بوصفه كاتبًا ينحاز إلى الأسئلة الكبرى، ويجعل من الأدب مساحة لمساءلة العتمة، لا للهروب منها. الرواية شهادة فنية على أن السجون قد تتغير أشكالها، لكن المعركة الحقيقية تظل معركة الوعي في مواجهة الظلام.


مشاهدات 64
أضيف 2026/02/28 - 12:05 AM
آخر تحديث 2026/02/28 - 1:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 85 الشهر 21438 الكلي 14953081
الوقت الآن
السبت 2026/2/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير