الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جولة في ظلال الدولة

بواسطة azzaman

جولة في ظلال الدولة

سعد العبيدي

 

بدأ التجوال في بغداد صباحا، تحت شمس شتوية وديعة تنثر دفئًا شهيًّا، فيما كان الهواء منعشًا، تعكّره مسحة خفيفة من الغبار. لم يكن يحمل في خاطره مقصدًا واضحًا، ساوره إحساس غامض بأن المدينة تضيق بأسرارها، وتوشك أن تبثّ ما يعتمل في صدرها. تأسرها ضوضاء تمتزج برائحة التراب، وأزيز مولّدات يتداخل مع صفارات المواكب، في نسيجٍ صوتيٍّ من نوع خاص. حتى خُيّل إليه أن الإيقاع اليومي ليس سوى صدى لمشهدٍ عتيق، يُعاد بلا كلل ليدور في حلقةٍ لا تنقضي.

قادته قدماه إلى إحدى الدوائر الحكومية لتصديق وثائق ثبوتية. جلس قبالة مديرٍ تتراكم أمامه الملفات؛ ظنّ أنه سيصغي إلى حديثٍ عن تطبيق النظام وحق المُراجع في إنجاز معاملاته، فإذا به يشهد نقاشًا حول وصولات شراء لمواد لم تشترى، أعقبه تدبيرٌ لإقحام الشقيق في إيفادٍ لا صلة له بالعمل.

غادر تلك الدائرة ومضى إلى المستشفى ليستكمل فحوصًا روتينية، مستندًا إلى حق التأمين الصحي الحكومي الذي يستقطع من راتبه شهريا. جلس عند المدير؛ فاستوقفه ازدحام المكان وجلبة الطلبات: مراجعاتٌ تتكئ على توصياتٍ نافذة، وتقارير تُسطر لعجزٍ موهوم، وأخرى تُثبت ما لا أثر له، وهمساتٌ عن عللٍ لا تقيم إلا على الورق، وطلب إجازاتٌ بلا موجب، وشروطٌ صحية تلين تحت وطأة الوساطات. ثم انقضى الأمر بفحوصٍ أنجزها طبيب الاختصاص، كتب وصفةٍ طبية تُبتاع من صيدليةٍ مجاورة، لعدم تيسر الدواء في صيدلية المستشفى. غادرها مثقلَ النفس، يجرّ وراءه صدى ما رأى، حتى ألفى بغداد تغصّ بأرتالٍ من سيارات الدفع الرباعي السوداء، تشقّ الطريق بصفاراتٍ نافذة، فيما ينتظر الناس على الأرصفة، تتناوبهم سخريةٌ مكتومة، وانتقاد مغلف ببعض الشتائم البغدادية العابرة. ألقى ببصره إلى الإسفلت تحت قدميه؛ حفرٌ عتيقة لم تُردم، وأرصفةٌ أُعيد رصفها لأغراضٍ انتخابية، فإذا بها تحتاج إلى رصفٍ من جديد. سأل صاحبَ محلٍ عند الناصية: أهي صيانةٌ تُرتجى، أم دورةُ إنفاقٍ لا تنقضي؟ فاكتفى الرجل بإيماءةٍ دالّة، كأن الخلل يُعاد إنتاجه، وكأن العطب غدا موردًا قائمًا بذاته.

رتبٍ رفيعة

ومع انقضاء النهار، ظلّ ذلك الإحساس الثقيل يلازمه، حتى في جلسةِ مساءٍ جمعت لفيفًا من مثقفين وأدباء في نادي الأدباء. تكلموا عن نهبٍ منظّم لثروات البلاد، وعن دولارٍ ما زال يُهرَّب إلى إيران، وتغلغلٍ مليشياتي في مفاصل الدولة، حتى غدا الحديث همسًا خافتًا، يذكّر بذلك الهمس القديم عن الحزب والرئيس في الزمن السابق. واستمرّ الهمس إلى أن دخل اللواء سامي، فتحدّث عن أوامر لا تُنفَّذ، وقوائم صدرت لترقية ضباطٍ برتبٍ رفيعة خارج الجدول المخصص للترقية، بدفعٍ من جهاتٍ مسلّحة تمضي في توسيع نفوذها. وعن عسكريٍّ برتبةٍ عليا ضُبط متلبّسًا، فإذا بالمحاسبة تُزاح جانبًا بتأثيرٍ مليشياتي، ليُعرض عليه، بدلًا منها، تقديم طلبٍ شخصي للترقية والتقاعد.

عندها احتدّ الدكتور حسام، وقال بانفعالٍ ملحوظ إن الخشية قد أحكمت سلطانها، فبات الخطأ يُوارى بالمجاملة، وأضحت مشاريع الدولة غنيمةً لشبكات القربى، يُغدِق أهلها على من يشاؤون، فيما تُوزَّع المناصب والرتب على موازين الولاء الطائفي، وتميل القرارات إلى كفّة القوّة أكثر مما تنصاع لهيبة الدستور. ساد المكان هدوءٌ متحفّظ أطفأ الجدل من غير خاتمة. عندئذٍ نهض من مكانه مودِّعًا، ومضى ماشيًا يستعيد شريط يومه؛ فتراءى له الوطن كيانًا يتآكل بصمت، كجدارٍ ينخره الملح من الداخل. فمضى في عتمة الطريق، تتردّد في داخله كلماتُ المجلس وصورُ النهار.

قال في نفسه: إنّ الدول تَضمحلّ حين تُستبدل المعايير بالولاءات، وتُزاح المساءلة لصالح التبرير. أمّا بغداد، بتاريخها الطويل وثقلها الاعتباري، فبدت له واقفةً على مفترقٍ حاسم: إمّا قانونٌ يعلو ولا يُساوَم، وإمّا اعوجاجٌ يطول حتى يُتوَهَّم أنه النظام. وبين هذين الاحتمالين، لم يجد سوى تعلّقٍ أخير برجاءٍ صامت: أن يبرأ الوعي الجمعي من علله، وأن يستفيق إنسانُ هذا الوادي ليميز بين العطب والاعتياد، ويعيد للأشياء أسماءها، وللوطن نصابَه.


مشاهدات 79
الكاتب سعد العبيدي
أضيف 2026/02/25 - 12:28 AM
آخر تحديث 2026/02/25 - 4:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 152 الشهر 19516 الكلي 14951159
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير