شاي سامي في الكوفة يحكي حكايته
نجم عبد كريدي
في أجواء شهر رمضان المبارك ، حيث تمتزج الروحانية بنكهة السهرات الشعبية، برز اسم «شاي سامي» بوصفه واحدًا من أبرز العناوين اليومية التي يقصدها عشاق الشاي في محافظة النجف الأشرف، حتى غدا محطة ثابتة لمرتادي الكوفة، ومقصدًا خاصًا لروادها من داخل المدينة وخارجها.
مساء الخميس، توجهنا برفقة الزميلين عبد الباقي ثجيل وعماد المحتصر إلى محل شاي سامي الشهير في الكوفة، الواقع مقابل مقام مسلم بن عقيل عليه السلام، وتحديدًا أمام بناية كلية الإمام الكاظم سابقًا، حيث لمسنا عن قرب سرّ هذا الإقبال اللافت، وخرجنا بانطباع واضح مفاده أن سامي ربما يكون اليوم أشهر بائع شاي في محافظة النجف والكوفة.
ويعود هذا الانتشار الواسع إلى النكهة الخاصة التي يتميز بها الشاي الذي يقدمه، إذ لا يكتفي الزبون باستكان واحد، بل يجد نفسه مدفوعًا لتكرار التجربة أكثر من مرة، لما تحمله من توازن في الطعم وجودة في التحضير، تعكس إخلاص صاحبه لمهنته وبساطته في آن واحد.
المفارقة اللافتة أن عددًا كبيرًا من أهالي النجف يتناولون وجبة طعامهم داخل المدينة، ثم يتوجهون بعد ذلك إلى الكوفة خصيصًا من أجل احتساء الشاي عند سامي، رغم وجود العديد من المحال المعروفة ببيع الشاي في النجف، الأمر الذي يؤكد أن (شاي سامي) تجاوز كونه مشروبًا يوميًا ليصبح طقسًا اجتماعيًا له رمزيته الخاصة، لا سيما في ليالي رمضان.
ولم تتوقف ظاهرة شاي سامي عند حدود النكهة فقط، بل امتدت إلى بعدٍ ثقافي شعبي، تجسد في واجهة محله التي ازدانت بأبيات من الشعر الشعبي العراقي، تعكس صورة وجدانية عن جودة الشاي وتأثيره في النفوس، ومنها:
نكهة وطعم وإخلاص تشهد عمامي.. صفالي عقلي اليوم چايك يسامي..
من سامي أشرب چاي ولغيره ما أروح.. خادر يفك الراس ويطيب الجروح..
لو بيّه أعظم داء لو موتي گرّب..چايك يسامي دواي بس منه أشرب..
رحت آنه للدكتور وكتبلي وصفه..جاوبني اشرب چاي من سامي تشفه..
هذه الأبيات الشعبية لم تكن مجرد زينة لواجهة محل صغير، بل تحولت إلى شهادة اجتماعية على مكانة هذا الشاي في الذاكرة اليومية للناس، وعلى علاقة خاصة نشأت بين الزبون والاستكان، وبين البائع وروّاده.
وفي شهر رمضان تحديدًا، تتعزز هذه الصورة أكثر، إذ يتحول محل شاي سامي إلى ملتقى بسيط يجمع أطيافًا مختلفة من الناس، تحت عنوان واحد هو: الطعم الصادق والجلسة الهادئة والروح الشعبية الأصيلة.
وهكذا، يثبت شاي سامي أن الشهرة لا تحتاج إلى إعلان ولا إلى زخرفة، بل إلى جودة حقيقية، وإخلاص في العمل، واحترام لذائقة الناس، ليصبح الاستكان الصغير قصة نجاح شعبية، وملمحًا من ملامح الهوية الرمضانية في الكوفة والنجف معًا.