الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العدمية السياسية

بواسطة azzaman

العدمية السياسية

محمد حمزة الجبوري

 

ليست أخطر ما ابتليت به الدول هو الصراع السياسي، بل الفراغ الذي يلي الصراع حين يفقد المعنى، وتضيع البوصلة، وتتحول السياسة إلى حركة بلا هدف؛ هنا تولد العدمية السياسية بوصفها  حالة لا تؤمن بشيء، ولا تسعى إلى شيء، ولا ترى في الدولة أكثر من غنيمة مؤجلة؛ هي لا تعني المعارضة، ولا تعني التمرد، ولا حتى الفشل المؤقت؛ هي أخطر من ذلك بكثير هي أن تمارس السلطة بلا رؤية، وأن تدار الدولة بلا فكرة، وأن تتخذ القرارات لا لأنها صحيحة بل لأنها ممكنة أو مربحة أو أقل كلفة آنية؛ في هذا المناخ الملبد بالفراغ والعبثية ، لا يعود السؤال  ماذا نريد من الدولة؟ بل كيف نبقي الوضع كما هو؟  حتى يصبح الخطاب العام ضجيجاً بلا مضمون؛ شعارات تستهلك، أزمات تدار لا تحل، وفساد يبرر باسم “الواقعية السياسية”؛ يطلب من المواطن أن يتأقلم لا أن يسأل، وأن يصبر لا أن يحاسب، وأن يعتاد الرداءة باعتبارها قدراً لا خياراً؛ الأخطر أن هذه العدمية لا تأتي فجأة، بل تصنع بهدوء تبدأ حين تفرغ القيم من معناها، وحين تختزل الوطنية في صورة، والإصلاح في تصريح، والدولة في حكومة مؤقتة لا تنتهي؛ وحين يقنع الناس بأن لا بديل، وأن كل محاولة للتغيير مغامرة خاسرة.

السياسي العدمي لا يبني ولا يهدم، بل يعلق كل شيء لا يؤمن بالمستقبل لأنه لا يخطط له، ولا يخشى التاريخ لأنه لا يترك أثراً يعيش على إدارة اللحظة، وتمديد الأزمة، وشراء الوقت حتى ينفد الوقت من الدولة نفسها؛ وما لم يواجه هذا النمط من التفكير، ستبقى السياسة فعلاً بلا أخلاق، والسلطة وظيفة بلا مسؤولية، والدولة هي الحلقة الأضعف؛ ان الخروج من العدمية لا يكون بشخص جديد فقط، بل بفكرة جديدة أن السياسة مشروع، لا صفقة؛ ومسؤولية، لا حيلة؛ ومعنى لا فراغ

الدول لا تسقط دائماً بالانقلابات أو الحروب، أحياناً تسقط حين يتوقف أهل القرار عن الإيمان بأن وجودها يستحق أكثر من إدارة يوم بيوم  هنا تحديداً، تبدأ العدمية وتتجلى وتتمظهر «التفاهة السياسية» ويغيب الشعور والوجدان الوطني ويصار الى الإيمان بالعزلة الكاذبة؛ حاولت بعض القوى احتكار الفعل السياسي وحدها سواء كان منتجا او تافها خاليا من الروح لخدمة مصالحها بذلك اسقطت كل القيم السياسية الانسانية وعزمت على تفريغ الفعل من محتواه وأشاعة العدمية حتى غدت جموع الشعب في «تيه مزمن» وبالتالي بات المجتمع كله ضحية سهلة ما سمح بتمدد الجرائم وتناسل الازمات وغياب فرص التقدم وبوادر الإصلاح؛ ليبقى الفرد في ظل عالم السياسة العدمي قليل التأثير ومدى محدود؛ بمعنى تراجع وهزيمة في قبال تطور وبناء؛ السؤال الوجودي: لماذا لا يكون للعراقيين «رسالة سياسية» ويتطلعون لدعوة ونهضة سياسية فكرية وعقدية بأعتبار ان لهم تأريخا وثقافة انسانية هائلة بعظم التاريخ يؤمنون بها؟ الايمان بالحضارة والتاريخ لا ينبغي ان يكون ترفا بلا معنى بل اثرا محركا للحاضر وقوة للمستقبل وتحريضا لمغادرة «الرقدة السياسية» وطرحا علميا واقعيا لعالم مغاير يؤمن بمتطلبات الحركة الكونية وتبدل الادوار وتجلي ثمين للروح العراقية القديمة الصانعة للمجد العالمي وتسويق هذه الروح للجيل الحالي ليعي عبقريتها وحضورها الكوني.

 

 


مشاهدات 29
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/02/20 - 11:23 PM
آخر تحديث 2026/02/21 - 12:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 58 الشهر 15924 الكلي 14947567
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير