الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حول جعل قطاع الإتصالات مملوكاً للدولة

بواسطة azzaman

حول جعل قطاع الإتصالات مملوكاً للدولة

زهراء عماد الاسدي

 

يُعدّ قطاع الاتصالات من القطاعات الاستراتيجية ذات الأهمية السيادية والاقتصادية، لما له من تأثير مباشر على الأمن الوطني والاقتصاد والخدمات العامة ورفاهية المواطنين. وفي ظل التحول الرقمي العالمي، لم تعد الاتصالات مجرد خدمة تجارية، بل أصبحت بنية تحتية أساسية تماثل خدمات الماء والكهرباء، الأمر الذي يبرر خضوعها لإدارة الدولة أو إشرافها المباشر بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ الموارد الوطنية.

عملة وطنية

إن ترك إدارة قطاع الاتصالات لشركات استثمارية أجنبية أو خاصة يؤدي إلى انتقال جزء كبير من العوائد المالية إلى خارج البلاد، مما يشكل استنزافاً للعملة الوطنية ويؤثر سلباً على ميزان المدفوعات. كما أن هذه الشركات قد تعطي الأولوية للربح على حساب جودة الخدمة أو أسعارها، وهو ما يثقل كاهل المواطن ويحدّ من فرص التطور التقني الوطني. لذلك فإن جعل الاتصالات مملوكة للدولة أو تحويلها إلى ملكية عامة يضمن توجيه إيراداتها إلى خزينة الدولة باعتبارها مورداً مالياً مهماً يدعم الموازنة العامة ويُسهم في تمويل مشاريع التنمية.

ومن الناحية القانونية، يمكن للدولة استملاك شركات الاتصالات وفقاً لمبدأ المصلحة العامة، مع تعويض عادل، استناداً إلى القواعد الدستورية التي تجيز نزع الملكية للمنفعة العامة. كما يمكن تنظيم ذلك من خلال تشريع خاص يضع قطاع الاتصالات ضمن المرافق العامة السيادية التي تتولاها وزارة الاتصالات، مع إمكانية إشراك القطاع الخاص بعقود تشغيل أو صيانة دون نقل الملكية. ويحقق هذا النموذج توازناً بين الكفاءة الاقتصادية والسيادة الوطنية.

وتبرز أهمية هذا التوجه أيضاً من الناحية الأمنية، إذ تمثل شبكات الاتصالات مخزوناً هائلاً من البيانات والمعلومات الحساسة التي تتعلق بأمن الدولة ومؤسساتها ومواطنيها، مما يستدعي أن تكون تحت إدارة وطنية مباشرة تضمن حماية الخصوصية ومنع تسرب المعلومات. وقد أخذت العديد من الدول بهذا النهج، حيث أبقت على سيطرة الدولة أو إشرافها الصارم على البنية التحتية للاتصالات، كما هو الحال في بعض التجارب الدولية التي نجحت في تقديم خدمات متطورة بأسعار مناسبة.

إن تحويل قطاع الاتصالات إلى ملكية الدولة من شأنه أن يحقق عدة أهداف، منها: تخفيض أسعار خدمات الاتصال والإنترنت، وتوســـــــــــــيع التغطية في المناطق المحرومة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوفير فرص عمل وطنية، فضلاً عن تعزيز السيادة الاقتصادية والتكنولوجية.

كما سيتيح للدولة التخطيط طويل الأمد لهذا القطاع الحيوي بعيداً عن تقلبات السوق ومصالح المستثمرين.

وبناءً على ما تقدم، فإن استملاك الدولة لقطاع الاتصالات أو إخضاعه لإدارة سيادية مباشرة يمثل خياراً قانونياً واستراتيجياً ينسجم مع متطلبات الأمن الوطني والتنمية المستدامة، ويضمن بقاء هذا المورد الحيوي في خدمة الشعب والدولة، بوصفه مرفقاً عاماً لا يقل أهمية عن الماء والكهرباء، بل يشكل عصب الحياة الحديثة وأداة أساسية لبناء الدولة الرقمية المعاصرة.

يُعدّ قطاع الاتصالات من أهم المرافق العامة ذات الطبيعة السيادية، لما يرتبط به من أبعاد اقتصادية وأمنية وتقنية تمسّ حياة الدولة والمجتمع بشكل مباشر. وقد أصبح هذا القطاع في العصر الحديث بمثابة شريان حيوي لا يقل أهمية عن خدمات الماء والكهرباء والنقل، بل يتفوق عليها في كونه الأساس الذي تقوم عليه الدولة الرقمية والاقتصاد المعرفي. ومن هذا المنطلق، فإن إخضاع قطاع الاتصالات لملكية الدولة أو سيادتها المباشرة يمثل خياراً استراتيجياً يهدف إلى حماية الأمن الوطني وتعظيم الموارد المالية ومنع تسرب العملة الوطنية إلى الخارج.

أولاً: النموذج التركي في إدارة قطاع الاتصالات

تُعدّ تركيا مثالاً بارزاً على نجاح الدولة في الحفاظ على دور سيادي قوي في قطاع الاتصالات. فقد كانت شركة “تورك تيليكوم” مملوكة للدولة قبل خصخصة جزء منها مع بقاء الرقابة والتنظيم الصارم بيد الحكومة التركية، إضافة إلى وجود هيئة تنظيمية قوية تشرف على الأسعار وجودة الخدمة والبنية التحتية. كما حافظت الدولة التركية على سيادتها على شبكات الاتصالات الاستراتيجية والبنية التحتية الأساسية، بما يضمن حماية الأمن القومي ومنع الاحتكار وضبط السوق.

 وأسهم هذا النموذج في تحقيق توازن بين الاستثمار والتطور التقني من جهة، والحفاظ على المصلحة الوطنية من جهة أخرى، مع توفير خدمات متقدمة بأسعار مناسبة للمواطنين.

ثانياً: الآثار الاقتصادية لملكية الدولة لقطاع الاتصالات

إن تحويل إيرادات شركات الاتصالات إلى خزينة الدولة يوفّر مورداً مالياً كبيراً يدعم الموازنة العامة ويُسهم في تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة. وفي المقابل، فإن استمرار تحويل الأرباح إلى شركات أجنبية يؤدي إلى خروج العملة الصعبة من البلاد. كما أن ملكية الدولة تتيح توجيه الأرباح نحو تطوير الشبكات وتوسيع خدمات الإنترنت، خصوصاً في المناطق النائية، بما يحقق العدالة في توزيع الخدمات.

ثالثاً: الأبعاد الأمنية والسيادية

تمثل شبكات الاتصالات مخزوناً استراتيجياً من البيانات والمعلومات الحساسة المتعلقة بالدولة ومؤسساتها ومواطنيها، الأمر الذي يقتضي خضوعها لإدارة وطنية موثوقة. فسيطرة الدولة على هذا القطاع تعزز حماية الأمن المعلوماتي وتمنع أي اختراق أو تسريب قد يهدد الأمن الوطني.

رابعاً: إمكانية استملاك شبكات الهاتف النقال في العراق

استملاك شركات

من الناحية القانونية، يمكن للدولة العراقية استملاك شركات الاتصالات العاملة في البلاد — مثل شبكات الهاتف النقال — استناداً إلى مبدأ نزع الملكية للمنفعة العامة المنصوص عليه في الدستور والقوانين النافذة، شريطة دفع تعويض عادل للمالكين. كما يمكن اتباع صيغ قانونية بديلة، مثل شراء الحصص المسيطرة، أو تحويل عقود التراخيص إلى عقود تشغيل تحت إشراف الدولة، أو إنشاء شركة وطنية قابضة تدير القطاع مع بقاء المستثمرين كشركاء تقنيين.

غير أن هذا الإجراء يتطلب دراسة قانونية واقتصادية دقيقة، نظراً لارتباط تلك الشركات بعقود استثمار دولية واتفاقيات حماية الاستثمار، مما يستلزم مراعاة الالتزامات الدولية لتجنب النزاعات والتحكيم الدولي. لذلك فإن الخيار الأمثل قد يتمثل في التدرج نحو سيطرة الدولة عبر التنظيم الصارم وزيادة حصتها أو إنشاء شبكة وطنية منافسة.

خامساً: النتائج المتوقعة من ملكية الدولة للاتصالات.

إن وضع قطاع الاتصالات تحت ملكية الدولة أو سيادتها المباشرة من شأنه أن يؤدي إلى:

تخفيض أسعار خدمات الاتصال والإنترنت.

تطوير البنية التحتية الرقمية.

توفير فرص عمل للكفاءات الوطنية.

تعزيز السيادة الاقتصادية والتكنولوجية.

حماية الأمن الوطني والمعلوماتي.

الخاتمة

إن استملاك الدولة لقطاع الاتصالات أو إحكام سيطرتها عليه يمثل خياراً قانونياً واستراتيجياً ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة وبناء الدولة الحديثة، خاصة إذا ما استُرشد بالتجارب الدولية الناجحة مثل النموذج التركي. فالاتصالات لم تعد مجرد نشاط تجاري، بل أصبحت مرفقاً عاماً سيادياً يجب أن يكون في خدمة الدولة والمواطن، بما يحقق التقدم والازدهار ويحفظ المصالح العليا للبلاد.

 


مشاهدات 24
الكاتب زهراء عماد الاسدي
أضيف 2026/02/17 - 2:28 PM
آخر تحديث 2026/02/18 - 2:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 13702 الكلي 13945346
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير