الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من وحي الطفولة

بواسطة azzaman

من وحي الطفولة

صالح رضا

 

ليست الطفولة مرحلة عابرة في حياة الإنسان، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه القيم والسلوك والوعي. وحين تُسلب الطفولة من أطفال أي مجتمع، فإن الخسارة لا تقتصر عليهم وحدهم، بل تمتد لتصيب المجتمع بأكمله في جوهره ومستقبله. من هذا الوعي الإنساني انطلق مشروعي الفني (من وحي الطفولة)، وهو أحد أهم معارضي الشخصية وأكثرها التصاقًا بتجربتي الفنية والوجدانية. يضم هذا المشروع خمسين عملًا فنيًا أنجزتها خلال إقامتي في القاهرة بين عامي 2006–2009، في مرحلة لم تكن عادية على الإطلاق، بل كانت زمنًا مثقلًا بالأسئلة المؤلمة حول مصير الطفولة في ظل الخوف، والعنف، وانهيار منظومات الحماية الاجتماعية. غادرت العراق في تلك الفترة وأنا أحمل في داخلي رسالة واضحة لا لبس فيها:

أن يكون معرضي القادم خارج الوطن، وأن تصل لوحاتي إلى العالم بوصفها لغة إنسانية صادقة، تكشف أن أطفال العراق لم يعيشوا طفولتهم كما ينبغي، بل عاشوا الرعب والقلق، ووجدوا أنفسهم خارج أسوار المدارس، في الأسواق وورش العمل الشاقة.

لم يكن ترك مقاعد الدراسة خيارًا حرًا لهؤلاء الأطفال، بل كان سقوطًا قسريًا من منظومة الرعاية والحماية. رأينا أطفال المرحلة الابتدائية يعملون سمكري سيارات، أو يبيعون مناديل الورق في الشوارع، أو يحملون البضائع الثقيلة في الأسواق، فقط لإعانة أسرهم في ظروف معيشية قاسية فرضتها سنوات طويلة من الأزمات. الأخطر من العمل المبكر نفسه، أن هؤلاء الأطفال خرجوا، في الوقت ذاته، من رقابة الأسرة وإشراف المدرسة، حيث يفترض أن يكون المعلم والأهل هما الرادع التربوي والأخلاقي لسلوك الطفل. وبدون هذا الرادع، وجد الطفل نفسه في فضاء مفتوح، بلا توجيه ولا حماية. وفي بيئة أصبحت غير آمنة، ومع غياب المساءلة وضعف سلطة القانون، تحوّلت الأسواق وأماكن العمل إلى ساحات مكشوفة على سلوكيات خطيرة: انتشار السرقة، تصاعد تعاطي المخدرات، وتفشّي ممارسات وسلوكيات غريبة عن قيم المجتمع وأعرافه. هذه الظواهر لم تكن انحرافات فردية بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لغياب الدولة، وغياب القانون، وتفكك منظومة الضبط الاجتماعي، حتى باتت خارج السيطرة ومسيئة للنسيج المجتمعي كله. من هنا، لم أتعامل مع هذه التجربة بوصفها حالة عراقية محضة أو ظرفًا زمنيًا عابرًا، بل رأيت فيها ظاهرة إنسانية عالمية تتكرر في مناطق كثيرة من العالم، حيث يدفع الأطفال ثمن الحروب والفقر والصراعات السياسية. ولهذا السبب، حرصت في أعمالي على تجريد المكان والزمان، فلم أربط اللوحات ببلد معيّن من خلال الأزياء أو العمارة أو الأسواق أو الشناشيل، بل جعلت الطفل هو المركز، والإنسانية هي الهوية الوحيدة. قناعتي كفنان كانت وما زالت واضحة:

الفن ليس ترفًا بصريًا ولا زينة جمالية، بل موقف أخلاقي ومسؤولية تاريخية.

ومن واجب الفنان أن يقول رأيه، وأن يتحمّل مسؤولية طرح الأسئلة الصعبة، حتى وإن كانت موجعة أو محرجة.

هذا التوجّه الإنساني لاقى صداه خارج الحدود، حيث نالت أعمال المشروع إعجاب الأمم المتحدة في القاهرة، فقامت منظمة الأونروا باقتناء خمسة عشر عملًا فنيًا، جرى لاحقًا طباعتها على شكل بطاقات تهنئة وزّعت على السفارات والقنصليات ومؤسسات المجتمع المدني، تقديرًا لأهميتها ورسالتها الإنسانية. وعند عودتي إلى بغداد، أقمت معرضًا شخصيًا عن الأطفال في وزارة الثقافة العراقية، وقد نال استحسانًا واضحًا، ما دفع الوزارة إلى توجيه بإعادة إقامة المعرض في قاعة كولبنكيان وسط بغداد، لإتاحة الفرصة أمام جمهور أوسع للتفاعل والمشاهدة، ثم أُقيم المعرض نفسه في دار الطفل وسط العاصمة بغداد، ليعود الخطاب إلى فضائه الطبيعي: الطفل. إن نشر هذه الأعمال اليوم، وإعادة طرحها في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، ليس فعلًا فنيًا فحسب، بل هو دعوة صريحة للآباء والأمهات إلى التوقف مليًا أمام حجم الخطر الذي يهدد أبناءهم حين تُترك الطفولة بلا متابعة ولا حماية. فغياب الرقابة الأسرية، مهما كانت أسبابه، يفتح الباب أمام ضياع الأطفال في الشارع، ويجعلهم فريسة سهلة لبيئات قاسية لا ترحم. إن مسؤولية إنقاذ الطفل لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تبدأ من الأسرة: من السؤال، من الإصغاء، من المتابعة اليومية، ومن إعادة الطفل إلى فضائه الطبيعي؛ المدرسة، اللعب، والأمان. فالطفل الذي يُترك وحيدًا في مواجهة الشارع، قد نفقده، وقد نخسر معه جزءًا من مستقبل المجتمع. قد يطول الشرح، لكن ما يمكن تأكيده أن (من وحي الطفولة) ليس توثيقًا للألم فقط، بل هو شهادة فنية، وصرخة إنسانية، وموقف أخلاقي يتحمّل مسؤوليته أمام التاريخ.


مشاهدات 85
الكاتب صالح رضا
أضيف 2026/02/16 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/03/03 - 2:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 571 الشهر 2874 الكلي 14956943
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير