الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
طرائف نهى الراضي عن الحرب والحصار


طرائف نهى الراضي عن الحرب والحصار

فيصل عبد الحسن

 

  في كتاب نهى الراضي يوميات بغدادية والحديث عن هذه اليوميات سيكون بالتأكيد حديثا ذا شجون..فقد حملت تباشير أيلول 2004 نسائم برودة الخريف الخجولة وأول سقوط لأوراق ذبلت وتهاوت ومع تلك الوريقات التي سقطت ورقة ندية من أوراق العراق التي أعطت للفح صيفه وسموم ريحه نداوة الفن الرهيف والكلمة المعبرة ويوميات بغداد التي كتبتها هذه الفنانة العراقية هي في حقيقة الأمر لوحات فسيفسائية عن الحياة العراقية في ظروف حرب مريرة كان المواطن العراقي ضحية حقيقية لها ..

 الأردن

    نهى الراضي التي عانت مع المرض الخبيث 1941-2004 لم تكن فنانة سيراميك أو خزف أو رسامة بورتريت بل كانت نحاتة للكلمة، فأعطت المكتبة العراقية والعربية – يوميات بغدادية – الكتاب الذي روت فيه مأساة العراقي –المدني- وهو يقع بين فكي آلة الحرب الغربية من جهة ومن جهة أخرى ما كان يحسب عليه نظامه كل لفتاته وسكناته ... لقد أمضت نهى الراضي طفولتها في الهند، فقد كان والدها سفير العراق في الهند  في ذلك الوقت فقد تعلمت الفنانة  في المدارس الانجليزية وانتقلت بعد ذلك الى لندن لتكمل تعليمها في معهد بيام للفنون الجميلة  متخصصة في فن الخزف وبعد ان تخرجت مارست التدريس في الجامعة  الامريكية في بيروت، وعرضت أعمالها الفنية في الدول العربية  وفي برلين ولندن وواشنطن .. عادت الى العراق بعد ذلك لتعيش في بغداد قبل ان تغادر من جديد في سنة 1992 الى لبنان بعد فترة معاناة امتدت لأشهر في الأردن..

   لن أتحدث هنا عن ابداعها في فن الخزف وقد كانت خزافة من الطراز الأول حيث مزجت الموروث الشعبي العراقي مع مشاهداتها المبكرة في الهند من ميثولوجيا وطرائف وأحوال الناس وفنونهم  بل سأتحدث عن  يومياتها البغدادية التي اشتهرت بها بين الكتاب العراقيين والعرب ..

    أتذكر هنا أن بغداد كانت ترتجف خلال سطور يومياتها لا خوفا من آلة حرب الأجنبي  بل مما عانته من ظلم النظام وأهله وظلم الأهل أكثر مضاضة وألما  .. نعم كانت بغداد ترتجف خلال اليوميات، وهي تنتظر انفجار القنابل ومرور صواريخ الموت والدمار من فوقها، وهدير المقاتلات اللاتي لم يقابلهن سلاح فعال قادر على أسقاطهن، فأخذ الطيارون يلعبون بطائراتهم  في سماء عاصمة السلام راسمين للملأ الكاظم غيظه الحروف الأولى من أسماء دولهم المشاركة في حرب الخليج الثانية، وقد جعل ذلك القلم يرتجف في يد الراضي وينزف دما لا مدادا ...

   كان كلبها الذي يلعب بين أكداس الأطعمة التي رماها الناس بعدما فسدت في الثلاجات  والمجمدات بعد انقطاع التيار الكهربائي عن بغداد منذ بدء القصف الجوي في ليلة 17-18 كانون الثاني سنة 1991 أكثر حيوية من كل الأحياء الآخرين، ذلك الكلب الصغير الذي تسميه الكاتبة- سلفادور -  كلبها الذي لا يزال يلعب ويركض وراء أطفال الحي على ورق اليوميات حتى بعد موت صاحبته، ويعض مؤخرات بنطلوناتهم هاشا باشا للجميع  كأنما صاحبته لم تمت بعد وكأن بغداد لا تزال بعزها، ولا يزال حديث الجارات، وما يرددنه من اشاعات وأقاويل عن الحكومة، وماذا ستفعل لتدارك الكارثة التي ستحيق بالجميع وهذه المرة عما سيؤول اليه مستقبل البلاد بماضيه العريض وحاضره ، لقد قسمت الراضي يومياتها الى ثلاثة فصول ..

الحرب والحصار

   عنونت الفصل الأول – فندق السعادة – روت فيه يوميات القصف الصاروخي الليلي والنهاري لبغداد، حيث يصير بيت الكاتبة في منطقة الصليخ مكانا ومأوى للعديد من الأقرباء الخائفين، الوافدين من مناطق مختلفة من بغداد وخارجها، وقد جاءت تسمية البيت – فندق السعادة – سخرية من الظروف الصعبة التي كانوا يعيشونها في تلك الأيام الضاجة بالموت والدمار، ونسيت أن أشير الى أن الكاتبة قد أهدت اليوميات الى الشعب العراقي، وقد كتبت إهداء مؤثرا قالت فيه – هذه اليوميات مهداة الى الشعب العراقي وكل الآخرين الذين عانوا آثار الحصار المدمرة، أشكر من كل قلبي شقيقتي سلمى التي جعلت نشر هذه اليوميات ممكنا، وأشكر توبي  أيدي على دأبه – و شقيقة الكاتبة التي جاءت على ذكرها في الإهداء هي الدكتورة- سلمى الراضي- عالمة الآثار العراقية المعروفة ..وفي الفصل الثاني تناولت الكاتبة ظروف الحرب والحصار التي خنقت الناس في العراق، وأطالت من عمر النظام السابق، وقد روت أيضا فيه الكثير من الطرائف، حقا لقد روت طرائف في اليوميات عن الحرب لم يروها أحد قبلها أو التي حدثت اثناء ذلك الحصار ومن الطرائف التي حكتها..

    أن امرأة حملت قدرا مليئا- بدولمة- مخدرة وهي نوع من الأطعمة العراقية هدية الى حراس جامع ابي حنيفة، فنام الحراس بعد أن أكلوا تلك- الدولمة - ونهب جماعة المرأة المكان، السجادات، الثريات، كل شيء، وتقول أن الحراس ناموا مدة يومين بعد تلك الوجبة المغشوشة.. وتتحدث عن الرشوة التي استفحلت في البلاد في تلك الفترة فتقول – أعطى أحدهم رشوة ألف دينار ودلوا من الزبادي . توليفة غريبة

 وحدثتنا عن مفارقة أخرى فقالت – استأجر سعيد غرفة في الخان مقابل طبقتي بيض في الشهر – وتحدثت الكاتبة في الفصل الثالث عن المنفى  الذي صار قدر العراقيين، تقول الكاتبة، لدي الآن بصمة على جواز سفري بدلا من التوقيع، فقد خرجت من العراق بوصفي أمية -  وفي هذا الفصل تتسيد لغة اليأس وتفقد نهى الراضي لغة الانتقاد والطرافة والنكتة الذكية، فهي تتحدث عن المرض والموت، وتتحدث عن مراجعاتها للسفارات الأجنبية بحثا عن فيزا لبلد ما يقبل بها لاجئة فيه، وماتت نهى الراضي بعيدا عن وطنها في- بيروت- بعيدا عن كلبها سلفادور، بعيدة عن حديقتها ودراجتها الهوائية واشيائها التي تحبها كثيرا، لن نقول وداعا لنهى الراضي فهي قريبة منا بما يكفي ويكفينا ان نعيد قراءة يومياتها فنستعيد طرافاتها وفنها الراقي، وصورها المكتوبة، التي لا يمحوها الزمن من الذاكرة وإن مضى على الأحداث أكثر من خمس وثلاثين سنة ...

* كاتب مقيم في بغداد


مشاهدات 71
الكاتب فيصل عبد الحسن
أضيف 2026/02/08 - 3:08 PM
آخر تحديث 2026/02/09 - 10:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 390 الشهر 6412 الكلي 13938056
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير