التمنّي رأس مال المفلس
ضرغام الدباغ
هذا المثل العربي المشهور « التمني رأس مال المفلس « يستحق الذكر حين نصادف من غادر الواقع نهائياً ويحلق في أحلام خيالية، وحتى إن افترضنا أن الحلم حق مشروع، ولكن حين تكون هناك معطيات مادية واستحقاقات مقبولة واقعية، ومنسجمة ومتسقة مع الواقع الموضوعي، وإلا فسيكون التمني ضرب من خيالات مريضة يستحق صاحبها أن يعالج نفسياً.
والامنيات بحر ممتع لذيذ، الملاحة فيه سهلة جداً لا يحتاج إلى اجهزة ملاحية متطورة (Navigation System) لأنه غالباً ما يصنع أبعاد الموقف بنفسه لليس كما هي واقعياً، ويقنع نفسه بأنها صحيحة وسليمة، وأن سفينته قوية ومنيعة لا خوف عليها، من يبحر في بحر الامنيات لا يعيش في الواقع الموضوعي بل في أحلامه وتخيلاته.
وفي ذاكرتي ما يدهش ويثير الاستغراب، أن وزيرا مثقفاً، كان يشغل منصب وزير الدعاية في العهد الهتلري، وكان أحد اركان النظام، وفي الايام الأخيرة للحرب، الخمسة أيام الاخيرة، (استسلم النظام الهتلري في 8 ماي / أيار 1945. وإنتحر هتلر يوم 30 أبريل/ نيسان 1945) جاء لمقر القيادة مستبشراً بحلم ...! وأصدر بياناً أذيع على الشعب أن الزعيم(هتلر) قد توصل لشيئ سيقلب الموقف ...
وبتقديري، فإن مثل هذه الاعتصارات الفكرية هي نتيجة تلف تام للمكونات العقلية فلا يمكن أن ينتج سوى خرافات وأوهام، والجمهور الي يتلقف هذه المنتجات التالفة بدورة يشتاق لمعرفة أي شيئ يبقي بصيص من الأمل في الافق، وهو وضع بائس بالتأكيد. وحيث لا يمكن في مثل هذه الظروف إسداء النصائح العقلية، لقيادة أو قائد متعب تتناهبه عشرات بل مثات من الصور المشرقة منها والمظلمة، وعلى الارجح هو غير قادر على استيعاب أبسط معادلة رياضية بسيطة،
في موقف كهذا على القيادات التي تخوض معاركها لا أعتمادا على المقولات الخرافية، بل على معطيات واقعية علمية، وعليها مصارحة الشعب بالوقائع والاحتمالات الراهنة، دون تزويقها بشحنات وهمية، ولا تشبث بالاحلام، ولكن القيادات السياسية (البعض منها) يكون النفخ في المعنويات كالنافخ في مزمار يصدر أصوتاً نشاز، لن تعيش أكثر من ساعات قليلة، وربما أيام لا أكثر.
والناس، ومعظمهم من الجماهير الغفيرة / الغفورة، وقد أدمنت جرعات التخدير وان تعيش على الأوهام ... وسيصعب عليها أن تفهم أن الهيكل الذي شيدوه بالعرق والدم، لم يكن سوى كوخاً (وليس قلعة) من الاوهام الوردية، فتواصل الحلم وهي على سرير العمليات . وما أكتبه اليوم لقرائي هو للأسف واقع نعيشه وشخصياً واجهت مثل الحالات أكثر من مرة في حياتي.
سوف لن أتي على ذكر أسماء ومسميات، ولن أزيد ألام الموجوعين ألماً، ولكني أدعو الجميع أن يفكروا بواقعية، وينظروا للأشياء بعدسة مكبرة، ويتمكنوا من مشاهدة الخلايا الصغيرة، وكل قيادة يفترض أن تكون لديها قدرة استثنائية على الرؤية الصحيحة الصادقة، بالإضافة إلى قدرة استثنائية في التحليل وتكوين صور صادقة، ومصارحة الناس بعيداً عن أجواء التحريض والتهييـــــــــــــج (Agitation)..... وهناك عقليات تحريضية مخيفة لديها القدرة على تحويل المأتم إلى عرس ...َ وهذا أسوء صنف من السياسيين وكارثة في المراتب القيادية. فهؤلاء يوهمون أنفسهم أولاً، ثم يعممون أوهامهم على الجماهير.
أعلم أن تسمية الأشياء بمسمياتها تنطوي على فائدة، ولكني أريد البقاء في السير على الشارع العام ... وأعتقد أن غالبية قرائي فهموا ما أرمي إليه ...!