تجربة سردية تستحضر المنفى والذاكرة
معزوفة الرماد لجاسم مراد.. سيرة ذاتية تُكتب بروح الرواية
بغداد - ابتهال العربي
صدر حديثاً للكاتب جاسم مراد، العمل الروائي الجديد الموسوم (معزوفة الرماد)، وهو نص سردي يقدّم مقاربة فنية لافتة بين السيرة الذاتية والرواية، متجاوزاً الحدود التقليدية الفاصلة بين التوثيق ونقل الأفكار، ليقدّم تجربة إنسانية عميقة تُكتب بوعي جمالي وصدق إنساني. وينطلق العمل من (سؤال جوهري حول مفهوم السيرة الذاتية، بوصفها عقداً أخلاقياً ضمنياً بين الكاتب والقارئ، يقوم على أن ما يُروى هو حياة الكاتب كما عاشها أو كما يتذكّرها)، ويظهر ان (معزوفة الرماد لا تقف عند هذا التعريف الكلاسيكي، بل تفتح أفاقاً سردية أوسع، إذ تستعير السيرة أدوات الرواية، في تداخل واعٍ يحرّر النص من الالتزام الحرفي بالوقائع، لصالح الالتزام بالتماسك الجمالي وصدق التجربة)، ويُبرز النص ان (السيرة حين تُكتب بوعي فني، لا تعود مجرّد تسجيل للأحداث، بل تتحوّل إلى مساحة تأمل عميقة في الذات والذاكرة والزمن)، وتتحدث الرواية عن (مختلف الحكايا والقصص والواقعية، ليصف الكاتب جملة مشاعر واحداث، وصور وافكار عن الأحلام التي تجمع الأصدقاء رغم أنهم ينتمون إلى اماكن ومناطق ومذاهب مختلفة، فتعكس للقارئ تجربة وجودية مكتملة، لا مجرد سلسلة أحداث أو مواقف سياسية)، وأعتمد مراد على (التجربة الداخلية للشخصيات، حيث تتحوّل المعارك النفسية والوجدانية، وهموم الشعوب إلى مادة روائية مكتوبة بلغة قريبة من التأمل، بعيدة عن الخطابية أو الشعارات المباشرة)،
وتسلط الرواية الضوء على (تجارب المنفى والقمع والهزيمة بلغة تتيح الفهم، وبهذا الأسلوب، تفسح الرواية المجال أمام القارئ للاقتراب من التجربة). ويشير الناشر إلى أن (الرواية لاتطلب من الذاكرة ان تكون دقيقة بقدر ما تطلب منها ان تكون صادقة شعورياً، وأنها تعيد ترتيب الوقائع وفق اثرها، لا تسلسلها، وتمنح الالم حقه في التعبير)، على حد وصفه)، ويضيف انه (حين يقترب المناضل من الرواية، فإنه يكسر الصورة المصقولة، ويعيد نفسه إلى حجمه الإنساني)، مردفاً بالقول ان (جاسم مراد لا يكتب ضد النسيان فقط، بل ضد اختزال التاريخ)، ويذهب مراد إلى أنه (لم يدع يوما ان يكون من القاصّين او الروائيين، لكنه على مقربة منهم اكثر مما يظن، أقرب إلى قلوبهم من الأقلام، وحين يروي هو وأقرانه حكايات الخوف والقلق والمسافات البعيدة التي صنعت محطات لقاءاتهم الاولى، يلتقون في محطة التمني، في حلم مؤجل او امل يتعثر لكنه لايموت)، بحسب تعبيره، وتحدث الكاتب عن (عواطف ومشاهد عاشها، اجملها الجلوس على المسطبة المقابلة لساحة السباع، يبعث على طمأنينة لاتشبه إلا نفسها، اربعة سباع تحرس المكان، تتفجر المياه من أفواهها نحو بركة تتوسط الساحة، ورذاذ الماء يلامس وجوهنا برفق، كأنه يوقظ نشوة صغيرة قبل غروب الشمس)، كما ذكر في روايته (لعب أطفال الشيخ عمر والكفاح، وفي الجهة الأخرى يجلس العشاق يتهامسون بصوت لا يصب الا اليهم، كأنهم يحرسون أسرارهم من الهواء)، منبهاً إلى (حياة الوداعة والبساطة التي تسود الأزقة البغدادية، بلا متطفل او عين متلصصة)، ومن بين صور الذاكرة نقل مراد (مشاهد المزاح بين الجدية والسخرية، إذ وصلت ام احمد، ووزعت حصص الكليچة بين مجموعة من الاصدقاء)، كما أشار الكاتب إلى (معالم بغداد وجمالها، موحياً أنها ملتقى الأصدقاء والعشاق، واستراحة القادمين إلى الحياة، بشناشيلها وساحاتها وشوارعها والضحكات المتناثرة على دروبها)، وتضمنت فصول الكتاب عناوين لافتة، منها (إبحار، مزمار عتيق، عيون القمر، نار وليل ونساء، ناي وشوق، نشيج خافت، عين ماضية عين آتية، صدى القلق، ممالحة تحت السحاب، ثم جاء الخبر، الغائب الحاضر، نجوم الزهور، معابر العشاق، والرحيل إلى دمشق).