الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عرض وتحليل كتاب: ميلاد مجتمع


عرض وتحليل كتاب: ميلاد مجتمع

عماد يوسف خورشيد

 

يُعد كتاب "ميلاد مجتمع" للكاتب الكبير مالك بن نبي (1905-1973) إسهامًا فكريًا وفلسفيًا بارزًا لمفكر جزائري عُرف بلقب "فقيه الحضارة". صدر الكتاب أولًا عام 1962، وتوالت بعد ذلك عدة طبعات، كان آخرها الطبعة الثالثة الصادرة عام 1986 عن دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق، وقد احتوى على 129 صفحة.       

ابتدأ الكتاب بعنوان "أوليات" والتي استعرض فيها المشكلة التي يسعها الى معالجتها، والتي تمحورت في بيان أُطر تحديد معاني المصطلحات الغامضة في العلوم الإنسانية، منها: الحضارة والمدنية والثقافة، والتي بينها بالتفصيل وبأسلوب علمي دقيق والتي نستعرضها فيما بعد.

          فضلًا عن ذلك، يقول " مالك بن نبي" انه يمكن تصنيف الظاهرة الاجتماعية إلى نوعين: المجتمع الطبيعي، وهو الذي حافظ على نمط عيشه منذ نشأته، والمجتمع التاريخي، الذي نشأ في ظروف أولية ولكنه أدخل تعديلات على بعض جوانب حياته سعيًا نحو الأفضل.

النوع الأول يجسد نموذج المجتمع الساكن ذي المعالم الثابتة، كما هو الحال في مجتمعات النمل أو النحل، والقبائل العربية في العصر الجاهلي، كمثال على مرحلة ما قبل التاريخ بما انطوت عليه من ممارسات لا يقبلها الإنسان بفطرته، مثل قضية وأد البنات. أما النوع الثاني، فيمثل النموذج المتحرك، أي المجتمع الخاضع لقانون التغيير الذي يعدل جانبًا من جوانب معيشته، وهذا ما يجسد الحضارة.

          وبعد ذلك، عرض مواضيع الكتاب تحت عناوين عامة، في بدايتها عرف المجتمع بأنه: "المجتمع ليس مجرد جمع لعناصر أو أشخاص، تدعوهم غريزة الجماعة إلى أن يتكتلوا في إطار اجتماعي معين، بل أكثر من ذلك فهو يتضمن عددًا من الثوابت التي يدين لها بدوامها. وبمعنى أكثر دقة: تجمع أفراد ذوي عادات وتقاليد يعيشون في ظل قوانين واحدة، ولهم فيما بينهم مصالح مشتركة."

          وبعد ذلك، يستطرد قائلًا: بأن المجتمع يقوم على ثلاثة عناصر: الأول: حركة يتسم بها المجتمع الإنساني. الثاني: إنتاج لأسباب هذه الحركة. الثالث: تحديد لاتجاهها. فأول عنصر ينتقل إليه تراث المجتمع هو الطفل عن طريق اكتساب السلوك من حوله.

          وبعدها وضح معنى الحضارة: بأنها السير بركب التقدم نحو شكل من أشكال الحياة الراقية. ولاستكمال ذلك يتطلب تقوية أواصر العلاقات الاجتماعية بين أفراده -أسرة ومجتمع-. وهي تتكون من خلال الصلة بين العوالم الثلاثة: الأشخاص والأفكار والأشياء، هي علاقة مشروطة بوجود الثقافة بين الأفراد والمجتمع بشكل عام. لذا فوظيفة المثقف تطوير المجتمع. بمعنى أن التحضر هو أن يعلم الشخص كيف يعيش بين الجماعة بشكل متوافق مع القيم. ويكون ذلك من خلال المثقف، من خلال واجبه في أن لا يكتفي بأن يعلم الناس أن يقولوا أو يكتبوا أشياء جميلة؛ ولكن يسعى إلى أن يعلمهم فن الحياة والأسلوب الصحيح عند التعامل مع زملائه وأسرته والمجتمع، بمعنى أن يعلمهم كيف يتحضروا.

ونرى من الضروري ذكر تعريف الثقافة في هذا المقام، اذ عرفه مالك بن نبي الثقافة في كتابه ( شروط النهضة) بأنها "مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه".

          فالقيم الخُلُقية هي المعيار في توحيد سلوك الإنسان نحو احترام الحقوق، وفي حال الخرق وعدم احترام للقيم والقانون الذي يحميه في مجتمع معين ينتج عنه تمزق في شبكة العلاقات الاجتماعية وسببًا في هلاكه، لأن الغرائز في نفس الإنسان يضبطها القيم الإنسانية وتوجهها الوجهة السليمة في العيش السليم دون مشاكل اجتماعية أو جرائم. وأفضل طريقة في تثبيت القيم في الفرد والمجتمع هي القدوة الحسنة. ويؤكد " مالك بن نبي" على ان القوانين وجدت حماية للعلاقات الاجتماعية -عصبها القيم- فبدونها لا يمكن أن تستمر الحياة بشكل سليم لا أخلاقيًا ولا ماديًا.

ويستطرد في ذكر نموذج لنفس الإنسان يجسده في رواية "قصة غريبة للطبيب هيكل ومستر هايد" للكاتب روبرت لويس ستيفنسون عام 1886. فالشخصيتان هما شخص واحد، لكن هيكل اتخذ جانب الشخص الحامل للقيم والفضائل، أما هايد فهو الجانب الغرائزي غير المسيطر عليه. إشارة إلى نفس الإنسان الذي يعيش في حالة صراع إن لم يتم ضبطه وتوازنه من خلال التحلي بالقيم والفضائل.

ويستشهد بدور القيم في الشريعة الإسلامية بعدة نماذج واقعية استطاعت تحويل الغريزة المفرطة الى قيمة نافعة في خدمة المجتمع.

اذن النفس تحمل ابتدأ الغريزة – غريزة البقاء، الامن، المال، التكاثر...- وهي ضرورية لاستمرارية الحياة، ولكن خرجت عن مقصدها في بقاء الانسان على وجهه المعمورة ، فانها تتحول الى نفس شريرة، وعلاج هذه الحالة المرضية تكون بتزكية النفس عن طريق التحلي بالقيم العليا والقدوة الحسنة نذكر منها: العدل، العدالة، الاحترام، الامانة، الصدق، الوفاء، الصبر، الحياء...الخ. فيتروض النفس بهذه القيم منذ الطفولة على ضبط معيار النفس وفقط معايير ثابتة عند التعامل مع الاسرة والمجتمع بشكل عام، وبالتالي يستقر النفس على جانب الخير ويكون الشخص انسانا معتدلاً، والهامه في المواقف يكون من جانب الخير للنفس. وكل ذلك بحثناه بالتفصيل في كتابنا ( د. عماد يوسف خورشيد، نطاق تجريم عرض المحتوى الالكتروني المخل بالحياء والاداب العامة، مكتبة التشريع القانونية، 2025، الطبعة الثانية).

          وبعدها يستطرد بأسلوب بليغ قائلا بان: المجتمع لا يقاس غناه بكمية ما يملك من أشياء بل بمقدار ما فيه من أفكار" - التي تنعكس على الفرد والأشياء التي حوله- وفي حال عدم التزام المثقف الذي يحمل الافكار الايجابية بتقوية شبكة العلاقات الاجتماعية في المجتمع؛ فإنها سترتخي، ويكون في حالة مرضية، ونهايته تكون محتومة. ومن صور نهايتها: عندما لا يبحث أفراد المجتمع عن حلول للمشاكل الواقعية - ويمكن أن يقاس ذلك على اللبنة الأولى للمجتمع وهي الأسرة- وان يضع المثقف في حسبانه: ان الحلول للمشكلات يجب أن تتناسب مع المشكلات الاجتماعية، لأن الحقيقة لا بد من أن تؤثر في الأشخاص أو الأفكار أو الأشياء وإلا عُدت حقيقة ميتة. ويستطرد بالقول بأن التربية الاجتماعية تستقي قواعدها من علم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس.

          ونبه "مالك بن نبي" الى ضرورة حماية شبكة العلاقات الاجتماعية؛ لأن لذعة إبرة في مكان مناسب هش تكون كافيًا لشلل العلاقات الاجتماعية، كما يكفي لشل الجهاز العصبي في كائن حي أحيانًا. ويمكن ان يتمثل ذلك في وضع شخص غير مناسب في مكان مناسب، او العكس. ولنعلم أن الجاهل يفعل ويضر بنفسه أكثر ممن يتربص بتمزيق نسيج المجتمع. ويصور "مالك بن نبي "ان نسيج المجتمع يتمزق اذا ما تام السماح بتحقق الاتي: 1- خلق فراغ اجتماعي حين تهدم المبادئ والأخلاق والروح، التي تبقي المجتمع في حالة حركة كيما يواصل نشاطه بشكل صحيح. 2- توجيه الملكات والإمكانيات المبدعة وجميع الفضائل في المجتمع خارج إطار الواقع الصحيح، وخدمة المجتمع. وتكون الحماية من وجهة نظرنا من خلال تشريع قوانين - وتفعيل قوانين اخرى- تحمي الاسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة من تجريم الاعتداء او الحط والاساءة لهم، وفرض عقوبات شديدة على من يخالف هذه القوانين حماية للمصلحة العامة للدولة، ونسيج المجتمع.

          وفي ختام الكتاب، يتبلور تصور لدى "مالك بن نبي" لترسيخ القيم في المجتمع، قوامه استثمار الطاقات الكامنة لدى الشخص وتوجيهها نحو بناء الذات، والاسرة والمجتمع، وذلك عبر تحويل النصوص الشرعية إلى قيم سامية تتجسد في الواقع، بحيث تكون إنسانيته نبراساً له، وبذلك يتمكن من صون قيمه وأخلاقه الرفيعة. وسينعكس هذا إيجاباً على الأسرة والمجتمع والعالم أجمع. وتبقى الآية الكريمة منارة لقيم الإنسانية، قال رب العالمين سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (سورة الحجرات 13).

أ. م. د. عماد يوسف خورشيد

الجامعة التقنية الشمالية/كركوك

2/2/2026

 


مشاهدات 107
الكاتب عماد يوسف خورشيد
أضيف 2026/02/04 - 2:30 PM
آخر تحديث 2026/02/05 - 5:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 175 الشهر 3235 الكلي 13934879
الوقت الآن
الخميس 2026/2/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير