صناعة الخصوم
هاشم ذياب الجنابي
حين نتمعن وندقق في الأحداث الجارية الان نجد أنه من النادر في تاريخ العراق الحديث وجود شخصية سياسية أثارت من الجدل والانقسام ما أثارته فترة حكم نوري المالكي. حيث لم يكن مجرد رئيس للوزراء. بل كان ظاهرة سياسية ارتكزت في جوهرها على مفهوم صناعة الخصوم والاعداء كأداة لإدارة الدولة وتثبيت أركان السلطة. إن القارئ المتفحص لتلك الحقبة يدرك أن المالكي الذي جاء إلى الحكم كمرشح تسوية في لحظة حرجة من تاريخ البلاد.سرعان ما غادر مربع التوافق ليدخل في نقطة الصفر من المواجهة المفتوحة مع الجميع.وعلى اتفه الأسباب معتمدا على عقيدة أمنية وسياسية ترى في الشريك منافس حسود وفي المنافس عدوا وجوديا يجب تحجيمه. لقد برع المالكي في تحويل الخلافات السياسية البسيطة إلى معارك كسر عظم. مستخدما في ذلك ترسانة من الأدوات القانونية والأمنية التي جعلت من مؤسسات الدولة طرفا في الصراع بدلا من أن تكون حكما فيه. فكان تسييس القضاء والسيطرة المطلقة على مفاصل القوات المسلحة هما الركيزتان اللتان شيد فوقهما امبراطورية الخوف والقلق السياسي. ولم تكن هذه السياسة محصورة في مواجهة المكونات الأخرى.
بل امتدت لتطال أقرب الحلفاء داخل البيت الواحد.حيث تحول رفاق الأمس إلى خصوم اليوم مما أدى إلى تآكل الثقة في العملية السياسية برمتها وانسداد أفق الحوار الوطني. إن صناعة الخصوم لم تكن مجرد رد فعل على تحديات خارجية. بل كانت استراتيجية واعية لتعزيز الانقسام المجتمعي والسياسي الذي يغذي بدوره الحاجة إلى الرجل القوي إلا أن هذه القوة كانت وهمية وهشة.إذ لم تستند إلى قاعدة صلبة من التراضي الوطني بل إلى توازن الرعب. وعندما جاءت لحظة الاختبار الكبرى في عام 2014 تبين أن الدولة التي تم بنائها على إقصاء الآخرين وصناعة الأعداء لا تملك القوه الكافية للصمود. فسقطت مدن كبرى في قبضة التطرف نتيجة الفراغ السياسي والاجتماعي الذي خلفته سنوات الخصومة المريرة. إن الدرس الأقسى الذي قدمته تلك الحقبة هو أن القيادة الحقيقية للدولة لا تكمن في القدرة على كسر الخصوم. بل في القدرة على احتوائهم وتحويلهم إلى شركاء في بناء الوطن. وأن من يصنع الخصوم في قصور الحكم.يزرع الألغام في طريق الأجيال القادمة. ليظل العراق يدفع ثمن تلك السياسة من أمنه واستقراره حتى يومنا هذا. كشاهد حي على أن السلطة التي تتغذى على الصراع تنتهي دائما بالوقوف وحيدة أمام رياح التغيير العاتية...فيجب ان تتغير هذه اللغة وان يتم الانفتاح والتراضي بين اطياف المجتمع العراقي والدولي كي نجعل من العراق عظيما مره اخرى..