حين يمدح الخصوم ويرتعد الفاسدون
انتظار العظيمي
لم يكن التحول المفاجئ في خطاب كلٍّ من جمال الكربولي وحيدر الملا تجاه الحاج نوري المالكي وليد قناعة فكرية أو مراجعة وطنية شجاعة، بقدر ما كان انعكاساً لحقيقة سياسية باتت تفرض نفسها بقوة: المالكي رقم صعب لا يمكن تجاوزه، وحضوره المتجدد أعاد خلط الأوراق وأربك حسابات من اعتادوا العيش على هامش الدولة أو في ظل ضعفها. لقد أمضى هؤلاء سنوات وهم يشيطنون المالكي، يحمّلونه كل إخفاق، ويصوّرونه كعقبة أمام “التوافق”، بينما الحقيقة التي بدأت تنكشف اليوم هي أن المالكي كان – ولا يزال – عنوان الدولة حين تُقرّر أن تكون دولة، وعنوان المواجهة حين يُفرض الصراع مع الفساد والإرهاب والبعث المقنّع. وحين عاد هذا العنوان إلى الواجهة، تغيّرت اللهجة، وتبدلت المفردات، وبدأت نغمة “المدح” و”الإشادة” تتسلل إلى خطابات من كانوا حتى الأمس القريب في خندق الخصومة. أما حالة الهلع التي تصيب الفاسدين والإرهابيين والبعثيين، فهي ليست ظاهرة جديدة، بل ردة فعل طبيعية كلما استُحضر اسم المالكي في معادلة الحكم. هؤلاء يدركون جيداً أن المالكي لا يجيد لغة المساومات تحت الطاولة، ولا يؤمن بإدارة الدولة بعقلية الترضيات، وأن عودته تعني عودة الملفات، وفتح الدفاتر، وكسر مناطق الأمان التي احتموا بها لسنوات. إن الإنذارات العالية، والصراخ السياسي، ومحاولات التخويف من “الديكتاتورية” و”العودة إلى الماضي” ليست سوى تعبير عن خوف عميق من المستقبل، مستقبل لا مكان فيه للإرهاب المغلّف بالسياسة، ولا للبعث المتخفي بشعارات مدنية، ولا للفساد الذي عاش على ضعف القرار وهيبة الدولة. باختصار، حين يمدح الخصوم المالكي، وحين يرتعد أعداء الدولة من مجرد ذكر اسمه، فذلك ليس تناقضاً… بل شهادة واضحة على أن الرجل ما زال يمثّل كابوساً حقيقياً لكل من اعتاش على خراب العراق