الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خطوات لتقليل الطلب على الدولار في السوق

بواسطة azzaman

خطوات لتقليل الطلب على الدولار في السوق

حسين الفلوجي

 

زيادة الطلب على الدولار وتهريبه خارج العراق لم يعد حادثة عابرة ولا مشكلة سوق موازٍ فقط، بل نتيجة مباشرة لمسار خاطئ ومتواطئ جعل من الدولار ان يكون محور الحركة الاقتصادية اليومية. الأخطر من ذلك، أن السياسة النقدية، ومعها السياسة المالية وأدوات الدولة الاقتصادية، لم تكن حيادية تجاه هذا المسار، بل أسهمت عمليًا في ترسيخ نمط استهلاكي استيرادي: تمويل واسع للواردات، مرونة عالية أمام تدفق السلع الاستهلاكية، واهتمام أكبر باستقرار سعر الصرف كرقم، مقابل إهمال القدرة الإنتاجية كقاعدة للاستقرار.

ومع الوقت تحولت السياسة النقدية من أداة لإدارة الدورة الاقتصادية وتوجيه الموارد، إلى عبء يكرّس استنزاف الدولار ويضعف ديناميكية الإنتاج، فتتكرر الفجوة بين الرسمي والموازي، وتتضخم الدولرة، ويصبح المجتمع أكثر حساسية لأي اضطراب في قنوات تمويل التجارة.

الدولار نتيجة لا سبب

في هذا السياق يصبح الدولار “نتيجة” لا “سببًا”. فالطلب عليه يتولد لأن الاستيراد هو القناة الأسهل لتلبية السوق، ولأن الإنتاج المحلي لا يجد تمويلًا كافيًا ولا حماية ذكية ولا بيئة تشغيل مستقرة. وعندما يُترك المنتج المحلي خارج منظومة الحوافز، يزداد اعتماد السوق على الخارج، فتزداد فاتورة الاستيراد، ويزداد الطلب على الدولار، ثم يُطلب من البنك المركزي أن يطارد النتائج بدل أن يعالج الجذور. لذلك فإن تقليل الطلب على الدولار يبدأ من نقل السياسة النقدية من موقع المتفرج—وأحيانًا المتواطئ مع النمط الاستيرادي—إلى موقع الداعم للإنتاج المحلي الذي يقلّص الحاجة إلى الدولار من أصلها.

تمويل التجارة بضوابط

أول خطوة عملية هي إعادة تعريف تمويل التجارة بحيث يُغلق الباب أمام الطلب المصطنع على الدولار. جزء من الاستيراد يتضخم بسبب فواتير مبالغ فيها، وتلاعب بالتصنيف والمنشأ، وتدوير تجاري لا يعكس حاجة حقيقية. هذه الفجوات لا تُنتج فسادًا فقط، بل تُنتج طلبًا دولاريًا زائدًا يضغط على السوق ويغذي الفجوة بين السعرين. المطلوب هنا منظومة تحقق وربط بيانات تجعل الدولار يذهب للاستيراد الحقيقي، وتمنع تحويل تمويل التجارة إلى بوابة لتضخيم الطلب على العملة الأجنبية. عندما ينخفض الطلب غير الحقيقي، يتراجع الضغط سريعًا دون أن تتضرر السلع الضرورية ومدخلات الإنتاج.

جدار كمركي ذكي

لا يمكن لهذا الضبط أن ينجح من دون سياسة مالية مساندة، قوامها جدار كمركي ذكي يوازن بين حماية السوق ومنع الشح. الجدار الكمركي ليس إغلاقًا ولا حظرًا، بل أدوات تقييم وتدقيق تمنع الإغراق بالسلع الرديئة الرخيصة التي تقتل المنتج المحلي، وتعيد ترتيب الأولويات بحيث تسهّل مدخلات الإنتاج والسلع الأساسية، وتشدّد الرقابة والكلفة على الكماليات والسلع الأقل ضرورة. عندما تصبح قواعد الاستيراد عادلة وشفافة، ينخفض تسرب الدولار وتضعف قدرة الوسطاء على تحويل فرق السعر أو رخاوة الإجراءات إلى أرباح ريعية.

الإنتاج الوطني هو الحل

الخطوة الأهم هي الاعتراف بأن تنظيم الاستيراد وحده لا يكفي، لأن الجزء الأكبر من الطلب على الدولار طلب “حقيقي” ناتج من فجوة الإنتاج المحلي. السياسة النقدية السابقة تعاملت مع هذه الفجوة كقدر، وركزت على تمويل الاستيراد لضمان توفر السلع، لكنها بذلك رسّخت حلًا قصير الأجل يستهلك الدولار ولا يبني اقتصادًا منتجًا. الإصلاح الحقيقي يعني أن تتحول السياسة النقدية من دعم الاستيراد الاستهلاكي الى سياسة تمويل قطاعات الانتاج، من خلال اعادة توجيه الائتمان، خفض كلفة التمويل للمشاريع المنتجة، وتوفير ضمانات مخاطر، بحيث تصبح أموال الاقتصاد قادرة على بناء بدائل محلية لسلع تستنزف الدولار سنويًا. هنا يتغير معنى الاستقرار: لا يعود استقرارًا مؤقتًا يحرسه الدولار، بل استقرارًا تدعمه قدرة الإنتاج.

الصادرات تكسر الهشاشة

تقليل خروج الدولار يجب أن يقابله زيادة دخوله، لأن السوق يبقى هشًا ما دام الدولار يعتمد على مصدر واحد. لذلك تصبح الصادرات ركيزة ضرورية، لا كمادة دعائية بل كمسار اقتصادي يضيف عرضًا جديدًا للعملة الأجنبية ويقلل الضغط على الصرف. دعم الصادرات يعني تسهيل الإجراءات، تقليل كلفة النقل والمنافذ، تمويل وتأمين مخاطر، وفتح أسواق، وربط الحوافز بالأداء والاستمرارية. ومع توسع الصادرات غير النفطية—ولو تدريجيًا—تبدأ السوق بالتحرر من القلق المستمر، ويقل الطلب التحوطي على الدولار.

سعر صرف يخدم الإنتاج

إدارة سعر الصرف يجب أن تصبح جزءًا من منظومة دعم الإنتاج، لا منظومة دعم الاستيراد. سعر صرف جامد يخلق فجوات ويغذي الريع، وسعر متروك للفوضى يخلق تضخمًا واضطرابًا. المطلوب إدارة مرنة ورشيدة ضمن قواعد واضحة، تُقارب السعر من الواقع وتمنع الفجوة، وتستخدم التدخل لتهدئة التقلبات لا لصناعة ريع جديد. وعندما يتزامن ذلك مع ضبط الاستيراد ودعم الإنتاج وتشجيع التصدير، يتحول استقرار الصرف من معركة يومية إلى نتيجة طبيعية لاقتصاد أقوى.

الخلاصة:

 جوهر المشكلة أن السياسة النقدية السابقة أصبحت عبئًا على الاقتصاد العراقي لأنها خَدَمت نمطًا استهلاكيًا استيراديًا واستسهلت تمويل الخارج بدل بناء الداخل. تقليل الطلب على الدولار لا يتحقق بضخ الدولارات أو بتكرار وعود الاستقرار، بل بإعادة بناء السياسة النقدية لتكون داعمًا للإنتاج والإحلال والتصدير، وبناء سياسة مالية تحمي السوق من الإغراق وتغلق منافذ التضخيم. عندها فقط يصبح الدولار أقل حضورًا في القرار اليومي للمواطن والتاجر، ويستعيد الاقتصاد توازنه على قاعدة الإنتاج لا الاستيراد.

 

 


مشاهدات 52
الكاتب حسين الفلوجي
أضيف 2026/01/30 - 11:45 PM
آخر تحديث 2026/01/31 - 2:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 108 الشهر 23517 الكلي 13930940
الوقت الآن
السبت 2026/1/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير