الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة تحليلية في مشروع قانون تحرير العراق من إيران

بواسطة azzaman

قراءة تحليلية في مشروع قانون تحرير العراق من إيران

انتظار العظيمي

 

يُعد مشروع القانون الأمريكي الموسوم بـ«قانون تحرير العراق من إيران» (H.R.2658) وثيقة تشريعية ذات أبعاد قانونية وسياسية معقّدة، لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد مقترح عابر داخل الكونغرس، بل باعتبارها تعبيرًا صريحًا عن توجّه تشريعي يسعى إلى إعادة تعريف طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية العراق وفق معايير أحادية، تُغلِّب منطق المصلحة الأمريكية على مقتضيات السيادة الوطنية العراقية.

(وهو ما يتقاطع مباشرة مع المادة (1) من الدستور العراقي التي تنص على أن “جمهورية العراق دولةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة”).

من الناحية القانونية، يستند المشروع إلى مفهوم “بيان السياسة” (Statement of Policy)، وهو مفهوم غير مُلزم بذاته في القانون الدولي، لكنه يُستخدم داخليًا في النظام الأمريكي بوصفه إطارًا موجِّهًا للإدارة التنفيذية. غير أن خطورة هذا البيان تكمن في تضمّنه شروطًا تُقيِّد تقديم المساعدات الأمنية والاقتصادية للعراق، بما يجعل تلك المساعدات أداة ضغط قانونية مشروطة، وهو ما يتعارض مع مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.

دستور عراقي

(ويتعارض كذلك مع المادة (8) من الدستور العراقي التي تُلزم الدولة العراقية بانتهاج سياسة خارجية تقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وبما يحفظ سيادة العراق).

كما يذهب المشروع إلى أبعد من ذلك حين يمنح وزير الخارجية الأمريكي صلاحية تصنيف كيانات عراقية، بعضها جزء من المنظومة الأمنية الرسمية، كـ«منظمات إرهابية أجنبية». ويُعد هذا الإجراء، من منظور القانون الدولي العام، إشكاليًا، لأنه يتجاهل مبدأ الاختصاص الإقليمي للدولة، ويضع سلطة التصنيف والعقاب بيد دولة أجنبية دون المرور بآليات دولية جماعية أو قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي.(وهو ما يمس جوهر المادة (9/أولًا) من الدستور العراقي التي تنص على أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تخضع لقيادة السلطة المدنية الوطنية حصراً).ويلاحظ أيضًا أن مشروع القانون يربط استمرار الاعتراف العملي بالحكومة العراقية بشرط اتخاذ إجراءات داخلية محددة، من بينها تفكيك تشكيلات مسلحة وإعادة هيكلة المشهد الأمني. ورغم أن حصر السلاح بيد الدولة هدف مشروع في ذاته، إلا أن فرضه عبر تشريع أجنبي يُفقده مشروعيته القانونية، ويحوّله من إصلاح سيادي إلى استجابة قسرية لضغط خارجي، بما يهدد مبدأ الاستقلال السياسي للدولة.

(وذلك يُخالف الفلسفة الدستورية الواردة في المادة (5) من الدستور التي تقرر أن السيادة للقانون، وأن الشعب هو مصدر السلطات).

وفي السياق ذاته، يتضمّن المشروع بنودًا تتعلق بفرض عقوبات اقتصادية ومالية على شخصيات ومؤسسات عراقية يُشتبه بارتباطها بنفوذ إقليمي معيّن، دون ضمانات واضحة للإجراءات الواجبة (Due Process)، وهو ما يثير تساؤلات قانونية حول مشروعية هذه العقوبات، ومدى انسجامها مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة وحقوق الأفراد.

(وهو ما يتعارض مع المواد (19 و37) من الدستور العراقي التي تكفل قرينة البراءة والضمانات القانونية للحقوق والحريات).

وصاية خارجية

من زاوية تحليلية أوسع، يمكن القول إن هذا المشروع يعكس فشل المقاربة الدولية في دعم بناء دولة عراقية قوية ذات قرار مستقل، إذ يُعيد إنتاج منطق الوصاية الخارجية عبر أدوات تشريعية، بدل دعم المسارات الدستورية الوطنية التي تمكّن العراقيين من معالجة اختلالاتهم الداخلية بأنفسهم.(وهو ما يخالف روح الدستور العراقي بوصفه العقد الاجتماعي الأعلى الناظم لبناء الدولة ومؤسساتها).وعليه، فإن قراءة مشروع قانون “تحرير العراق من إيران” يجب أن تكون قراءة نقدية قانونية، تميّز بين الحق المشروع للدول في حماية مصالحها، وبين تجاوز حدود القانون الدولي والتدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة. فالعراق، كدولة عضو في الأمم المتحدة، يمتلك وحده الحق الحصري في تقرير سياساته الأمنية وتحالفاته الإقليمية، وفقًا لدستوره وإرادة شعبه، لا وفق تشريعات خارجية تُصاغ بمعزل عن واقعه الدستوري والسياسي.(استنادًا إلى المواد (1، 5، 8) من الدستور العراقي).

إن أخطر ما في هذا المشروع ليس احتمالية تمريره أو عدمها، بل الرسالة القانونية التي يحملها، ومفادها أن ضعف الدولة وغياب القرار السيادي يفتحان الباب أمام الآخرين لإعادة تعريف مفاهيم السيادة والاستقلال، وهو درسٌ ينبغي أن يُقرأ بعناية داخل العراق قبل خارجه.


مشاهدات 52
الكاتب انتظار العظيمي
أضيف 2026/01/28 - 4:52 PM
آخر تحديث 2026/01/29 - 5:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 156 الشهر 22043 الكلي 13529466
الوقت الآن
الخميس 2026/1/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير