تطواف الغريب (7)
حسن النواب
راجلاً قطعتُ الطريق إلى مركز المدينة مرة أخرى، لقد اشتقتُ لرؤية راقص رشيق بعمر المراهقة يقدّم فنونه المدهشة هناك على إيقاع موسيقى مثيرة. كنتُ بين حين وآخر أجلس على مصطبة وأمضي وقتاً طيباً بمتابعة حركة الناس في شارع High Street. رأيتُ قرب بناية بريد ضحمة احتشاد الناس لمشاهدة بهلوان بشعر طويل يصل حتى مؤخرته، نقوش «التاتو» تملأ صدره العاري وزنديه، سيقدّم مغامرات خطيرة بأعصاب باردة بعد قليل، بينما كان هناك رجلٌ بملابس إسلامية بيضاء اللون ولحية كثّة، غزاها شيبٌ رمادي، يلقي خطاباً دينياً وسط الساحة، لم يثر انتباه المارة ولم يكن يسمع مواعظه غير نُصب غريب يظهر براعة الفنان الذي انجزه، كان عبارة عن بيضة أفعى كبيرة منحوتة من مرمر بلون رمادي تدور بطيئا وسط حوض كرستال مملوء بسائل أصفر، على بعد أمتار من النُصب وقف رجلٌ من أصول أفريقية فوق صفيحة معدنية مقلوبة يرتدي ملابس بالية بلون التراب وفوق صدره صليب خشبي، تشعرك طريقة إنشاده من كتاب إنجيل بين يديه أنَّ الرجل ليس سوياًّ، يسمع الناس صوته الناشز بقرف وانزعاج وهم بطريقهم للدخول لمتجر David Jones ديفيد جونس الشهير بماركاته الفرنسية، أكبر المتاجر هنا يمتلكها اليهود ومنها.. Coles, BIGW, Woolworths, Kmart, Target، البهلوان بدأ بأخطر مغامراته أمام متفرجين من أجناس مختلفة، بجسده نصف العاري يستلقي على نصال سيوف شهقت من سرير حديدي دون أن تجرحه، استمر بهذا الوضع للحظات ثم بدأ يقتلع السيوف واحداً تلو الآخر ويرمي بها على الأرض حتى ظل سيف وحيد يرفع جسده، تعالت صيحات الإعجاب، ظلَّ يدور على نصل السيف برشاقة مثل زعنفة لمروحة عملاقة، عندما صفق الجمهور حانت نظرة سريعة من رجل الدين نحوهم، برطم شفتيه مستنكراً ثم هدر صوته بلغة إنكليزيه سليمة:
– Save yourself from the temptations of the world, read the Koran.
- أنقذ نفسك من مغريات الدنيا بقراءة القرآن.
كأنَّ الرجل الزنجي المسيحي فهم صرخته فردّ عليها بنبرة تحدّ وهو لما يزل يقف فوق الصفيحة المعدنية:
– Jesus is the Savior.
- المسيح هو المنقذ.
دخلا بمهاترة عبثية جوفاء لم تكن بالحسبان أمام أنظار شرطيتين شقراوين؛ لم تحركا ساكناً؛ بينما امتلأت قبعة البهلوان بنقود المتفرجين، كان سعيداً من إنجاز عرضه الخطير دون مشاكل وأخطاء. هذه المناظر تتكرر يوميا أمام ناظري عندما أتجول بمركز المدينة، مغامرات البهلوان، عازف الجيتار، رسام بارع ينجز لوحاته بشظايا زجاج ملوّن، سيدة صبغت وجهها وملابسها بلون برونزي متَّخذة من هيئة مريم العذراء وسيلة للحصول على هبات من المارَّة، رجلٌ وقف بلا حراك بملابس مهرج كأنَّهُ صنمٌ وقد فغر فمه حتى يمتلئ بالنقود، يظلُّ الناس يرقبونه لأنه لا يضعها بجيبه إنما يبتلعها لجوفه بلحظة مثيرة ثم يستخرجها من فرجه أمام ذهول الناظرين. لا أترك المصطبة إلاَّ عندما يبدأ الفتى الأنيق بالرقص على أنغام موسيقى صاخبة، تعجبني طريقة رقصه الرشيقة، يمتلك قدرة عجيبة على التحكم بحركة قدميه وإيماءات يديه وجسده، لكني لا أقاوم بمتابعة الراقص للنهاية؛ فعندما يصل لرقصة السجين ويبدأ بدفع الفراغ كمن يحاول الهروب عبر جدار خرساني، تتصاعد دقات قلبي متذكّرا سجن الفرقة الأولى في الديوانية الذي قضيت فيه عشرة شهور قاسية جداً لهروبي من الحرب
. أدخّنَ سيجارة عائداً إلى شقَّتي، وأتذكَّرُ كيف كنتُ أقطع شارع أبو نؤاس راجلاً ونظراتي إلى الأرض عسى أن أعثر على قطعة نقود سقطت من المارَّة أو من جيب ثمل حتى أشتري بها وجبة طعام بسيطة في سنوات الحصار؛ فيحتشدُ الدمع في عينيَّ؛ أشكرُ الله في سرّي لأني وصلت مع عائلتي إلى قارة حنونة؛ وأشكرهُ مرة أخرى لأني مازالت على قيد الحياة.
يتبع…