غربت الشمس وأنا مستغرق بقراءة رواية عراقية على النت، فجأة اخترقت الشقة كركرة عالية، جفلتُ لأوّل وهلة ثم لاحتْ ابتسامة هازئة على ثغري مستغرباُ كيف فزّيت عندما سمعتُ ضحكة الكوكوبارا، لقد تعوّدت على صيحة هذا الطائر مذ وصلت هذه القارة قبل عشر سنوات، أعشق هذا الطائر، يسُمى» كوكوبارا الضاحك§The laughing kookaburra لأنهُ يطلق ضحكة صادحة شبيهة بقهقهة الأنسان، حتى يمكن سماعها من مسافات بعيدة، ضحكته توقظ الأستراليين عند بزوغ الفجر وتخبرهم عن غروب الشمس كل يوم، يعيش بغابات وحدائق أستراليا، طوله 45 سم بجسم ممتلئ بلون كريمي جذّاب وجناحيه بلون التراب، مع ذيل برتقالي مقصّب بلون بني داكن، رأسه كبير بغرّة بيضاء وعينيه بارزتين ولامعتين بلون عسلي، شجاع وماكر مع أنَّ شكله يدلُّ على وداعةٍ ومسكنة. يمتلك قدرة عجيبة بتقليد أصوات الحيوانات وصفير الريح وصوت منشار يشق الخشب وهطول المطر وحفيف أوراق الشجر وخرير ساقية وهدير مضخة ماء وهزيم الرعد وغيرها من أصوات الطبيعة، طعامه المفضَّل زواحف صغيرة وفئران وثعابين وحشرات زاحفة ولحوم نيئة، أليف لكنه خبيث بالفطرة حيث يسرق بيوض الطيور الأخرى من أعشاشها ويضع بيضه بدلاً عنها وينتزع طعامه من أكفَّ الناس دون سابق إنذار، اختير هذا الطائر تعويذة من ثلاث تمائم بأولمبياد سدني عام 2000. يدجّنه بعض الأستراليين ويعرضونه بالساحات العامة لجذب الزبائن إِلى بضاعتهم، طائر غريب الأطوار يستحق الانتباه، أشهر أغنية أسترالية للأطفال موضوعها هذا الطائر، يسمعون ضحكته عند كل غَبش وغروب، الأستراليون يعتقدون ضحكته إشارة إلهية للبشرية على انبلاج نور السماء فجرا وإشارة أخرى منه لغروب هذا الضياء، بينما أعتقد أنَّ ضحكته الغريبة فأل خير ومسرّة، أردتُ شراء هذا الطائر المرح كما أطلقُ عليه ليعيش بكنفي كصديق يخفف من غربتي، بلدية المدينة رفضت طلبي، رجلٌ بعيون خضر أحرجني إذْ سمعتهُ يقول:
- الله خلق الفضاء من أجل الطيور؛ ونحن نريد حبسها بالأقفاص.
كركرة طائر الكوكوبارا تردّدت من جديد، سمعته بانتشاء هذه المرة قبل خلودي إِلى النوم. عند الصباح كنتُ أقترب من مقهى تقبع في شارع Willems street تتقدمني كآبة واضحة على ملامح وجهي، أجلس على مقعد مدوّر عند واجهتهِ طمعاً بأشعة شمس صباحية خجول، دقائق ويأتي النادل الأفريقي بكوب قهوة مرّة ممزوجة بقطرات قليلة من الحليب، ابتسامته العذبة التي تركها خلفه لم تنجح من طرد طيور الحزن التي عشّشت بخريطة وجهي الذي بدأ يشحب منذ شهور نتيجة عدم تناولي وجبات الطعام بشكل منتظم، فاقدٌ للشهية مادام وطني يستحمُّ بالدخان والدماء، والأنباء الدامية الأخيرة التي جاءت من سنجار ضاعفت من أوجاعي وتنهداتي وبكائي الصموت، أحاول الأصغاء إِلى أغنية الجندي التي تغنيها المطربة الموهوبة Samantha Jade والمنبعثة من مذياع مركون على رف خشبي ملوّن بزاوية المقهى، صوتها الذي يفيض أنوثةٌ وعنفواناً يردد بقوة أيها الجندي أبق معي قليلا، فتهبط أمام ناظري ملاجئ جبهات الحرب ويبدأ صوت قصف عنيف يدوّي في أذني، وأتذكر بأسى دبابتي التي تركتها محترقة في شرق البصرة، تمنيتُ لو كان المذياع يبث أغنية عراقية الآن، بل أردت سماع رياض أحمد وهو يغني مرّة ومرّة، أو أغنية يا حريمة بصوت الملحن الراحل محمد جواد أموري… أفتح اللاب توب على صفحتي بفيس بوك وبزاوية عيني انظر إِلى مقعد يجاورني تجلس عليه بقلق امرأة شقراء بملامح روسية، تبدو ثملة وهي تدخن سيجارة تخدير تدعى مروانة، عرفت ذلك من رائحة الدخان الحريفة، كان أحد أصدقائي التونسيين يدخنها كثيرا قبل أنْ يعود إِلى وطنه بعد اشتعال ثورة الربيع العربي في تونس التي ما عادت بلون أخضر، المرأة السكرى بملابسها الخليعة، والتي خمّنت موطنها الأصلي أوكرانيا وعمرها في الثلاثين، تحاول أنْ تقيم حوارا معي لكن وجوم وجهي جعلها تلوذ بصمت جارح، كدت أهتف على النادل حتى يأتيني بكأس من الجعة الأيرلندية السوداء عسى تنشُّ سرب طيور الحزن من قسمات وجهي ومن مهجة قلبي، لكني أحجمت عن رغبتي بوجع مر، متذكرا قراري الذي اتخذته منذ ستة شهور مستغرقاً بصلاة متواصلة وعدم تعاطي الخمرة، فلا تحلو ابنة الكروم إلاّ في وطني.
حسن النواب