الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ (‬4‭)‬

بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ (‬4‭)‬

حسن النواب

 

غربت‭ ‬الشمس‭ ‬وأنا‭ ‬مستغرق‭ ‬بقراءة‭ ‬رواية‭ ‬عراقية‭ ‬على‭ ‬النت،‭ ‬فجأة‭ ‬اخترقت‭ ‬الشقة‭ ‬كركرة‭ ‬عالية،‭ ‬جفلتُ‭ ‬لأوّل‭ ‬وهلة‭ ‬ثم‭ ‬لاحتْ‭ ‬ابتسامة‭ ‬هازئة‭ ‬على‭ ‬ثغري‭ ‬مستغرباُ‭ ‬كيف‭ ‬فزّيت‭ ‬عندما‭ ‬سمعتُ‭ ‬ضحكة‭ ‬الكوكوبارا،‭ ‬لقد‭ ‬تعوّدت‭ ‬على‭ ‬صيحة‭ ‬هذا‭ ‬الطائر‭ ‬مذ‭ ‬وصلت‭ ‬هذه‭ ‬القارة‭ ‬قبل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬أعشق‭ ‬هذا‭ ‬الطائر،‭ ‬يسُمى‮»‬‭ ‬كوكوبارا‭ ‬الضاحك§The laughing kookaburra‭  ‬لأنهُ‭ ‬يطلق‭ ‬ضحكة‭ ‬صادحة‭ ‬شبيهة‭ ‬بقهقهة‭ ‬الأنسان،‭ ‬حتى‭ ‬يمكن‭ ‬سماعها‭ ‬من‭ ‬مسافات‭ ‬بعيدة،‭ ‬ضحكته‭ ‬توقظ‭ ‬الأستراليين‭ ‬عند‭ ‬بزوغ‭ ‬الفجر‭ ‬وتخبرهم‭ ‬عن‭ ‬غروب‭ ‬الشمس‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬يعيش‭ ‬بغابات‭ ‬وحدائق‭ ‬أستراليا،‭ ‬طوله‭ ‬45‭ ‬سم‭ ‬بجسم‭ ‬ممتلئ‭ ‬بلون‭ ‬كريمي‭ ‬جذّاب‭ ‬وجناحيه‭ ‬بلون‭ ‬التراب،‭ ‬مع‭ ‬ذيل‭ ‬برتقالي‭ ‬مقصّب‭ ‬بلون‭ ‬بني‭ ‬داكن،‭ ‬رأسه‭ ‬كبير‭ ‬بغرّة‭ ‬بيضاء‭ ‬وعينيه‭ ‬بارزتين‭ ‬ولامعتين‭ ‬بلون‭ ‬عسلي،‭ ‬شجاع‭ ‬وماكر‭ ‬مع‭ ‬أنَّ‭ ‬شكله‭ ‬يدلُّ‭ ‬على‭ ‬وداعةٍ‭ ‬ومسكنة‭. ‬يمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬عجيبة‭ ‬بتقليد‭ ‬أصوات‭ ‬الحيوانات‭ ‬وصفير‭ ‬الريح‭ ‬وصوت‭ ‬منشار‭ ‬يشق‭ ‬الخشب‭ ‬وهطول‭ ‬المطر‭ ‬وحفيف‭ ‬أوراق‭ ‬الشجر‭ ‬وخرير‭ ‬ساقية‭ ‬وهدير‭ ‬مضخة‭ ‬ماء‭ ‬وهزيم‭ ‬الرعد‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬أصوات‭ ‬الطبيعة،‭ ‬طعامه‭ ‬المفضَّل‭ ‬زواحف‭ ‬صغيرة‭ ‬وفئران‭ ‬وثعابين‭ ‬وحشرات‭ ‬زاحفة‭ ‬ولحوم‭ ‬نيئة،‭ ‬أليف‭ ‬لكنه‭ ‬خبيث‭ ‬بالفطرة‭ ‬حيث‭ ‬يسرق‭ ‬بيوض‭ ‬الطيور‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬أعشاشها‭ ‬ويضع‭ ‬بيضه‭ ‬بدلاً‭ ‬عنها‭ ‬وينتزع‭ ‬طعامه‭ ‬من‭ ‬أكفَّ‭ ‬الناس‭ ‬دون‭ ‬سابق‭ ‬إنذار،‭ ‬اختير‭ ‬هذا‭ ‬الطائر‭ ‬تعويذة‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬تمائم‭ ‬بأولمبياد‭ ‬سدني‭ ‬عام‭ ‬2000‭. ‬يدجّنه‭ ‬بعض‭ ‬الأستراليين‭ ‬ويعرضونه‭ ‬بالساحات‭ ‬العامة‭ ‬لجذب‭ ‬الزبائن‭ ‬إِلى‭ ‬بضاعتهم،‭ ‬طائر‭ ‬غريب‭ ‬الأطوار‭ ‬يستحق‭ ‬الانتباه،‭ ‬أشهر‭ ‬أغنية‭ ‬أسترالية‭ ‬للأطفال‭ ‬موضوعها‭ ‬هذا‭ ‬الطائر،‭ ‬يسمعون‭ ‬ضحكته‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬غَبش‭ ‬وغروب،‭ ‬الأستراليون‭ ‬يعتقدون‭ ‬ضحكته‭ ‬إشارة‭ ‬إلهية‭ ‬للبشرية‭ ‬على‭ ‬انبلاج‭ ‬نور‭ ‬السماء‭ ‬فجرا‭ ‬وإشارة‭ ‬أخرى‭ ‬منه‭ ‬لغروب‭ ‬هذا‭ ‬الضياء،‭ ‬بينما‭ ‬أعتقد‭ ‬أنَّ‭ ‬ضحكته‭ ‬الغريبة‭ ‬فأل‭ ‬خير‭ ‬ومسرّة،‭ ‬أردتُ‭ ‬شراء‭ ‬هذا‭ ‬الطائر‭ ‬المرح‭ ‬كما‭ ‬أطلقُ‭ ‬عليه‭ ‬ليعيش‭ ‬بكنفي‭ ‬كصديق‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬غربتي،‭ ‬بلدية‭ ‬المدينة‭ ‬رفضت‭ ‬طلبي،‭ ‬رجلٌ‭ ‬بعيون‭ ‬خضر‭ ‬أحرجني‭ ‬إذْ‭ ‬سمعتهُ‭ ‬يقول‭:‬

‭- ‬الله‭ ‬خلق‭ ‬الفضاء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الطيور؛‭ ‬ونحن‭ ‬نريد‭ ‬حبسها‭ ‬بالأقفاص‭.‬

كركرة‭ ‬طائر‭ ‬الكوكوبارا‭ ‬تردّدت‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬سمعته‭ ‬بانتشاء‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬قبل‭ ‬خلودي‭ ‬إِلى‭ ‬النوم‭.  ‬عند‭ ‬الصباح‭ ‬كنتُ‭ ‬أقترب‭ ‬من‭ ‬مقهى‭ ‬تقبع‭ ‬في‭ ‬شارع‭  ‬Willems‭ ‬street‭ ‬تتقدمني‭ ‬كآبة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬ملامح‭ ‬وجهي،‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬مدوّر‭ ‬عند‭ ‬واجهتهِ‭ ‬طمعاً‭ ‬بأشعة‭ ‬شمس‭ ‬صباحية‭ ‬خجول،‭ ‬دقائق‭ ‬ويأتي‭ ‬النادل‭ ‬الأفريقي‭ ‬بكوب‭ ‬قهوة‭ ‬مرّة‭ ‬ممزوجة‭ ‬بقطرات‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬الحليب،‭ ‬ابتسامته‭ ‬العذبة‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬خلفه‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬من‭ ‬طرد‭ ‬طيور‭ ‬الحزن‭ ‬التي‭ ‬عشّشت‭ ‬بخريطة‭ ‬وجهي‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يشحب‭ ‬منذ‭ ‬شهور‭ ‬نتيجة‭ ‬عدم‭ ‬تناولي‭ ‬وجبات‭ ‬الطعام‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم،‭ ‬فاقدٌ‭ ‬للشهية‭ ‬مادام‭ ‬وطني‭ ‬يستحمُّ‭ ‬بالدخان‭ ‬والدماء،‭ ‬والأنباء‭ ‬الدامية‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬سنجار‭ ‬ضاعفت‭ ‬من‭ ‬أوجاعي‭ ‬وتنهداتي‭ ‬وبكائي‭ ‬الصموت،‭ ‬أحاول‭ ‬الأصغاء‭ ‬إِلى‭ ‬أغنية‭ ‬الجندي‭ ‬التي‭ ‬تغنيها‭ ‬المطربة‭ ‬الموهوبة‭ ‬Samantha‭ ‬Jade‭ ‬والمنبعثة‭ ‬من‭ ‬مذياع‭ ‬مركون‭ ‬على‭ ‬رف‭ ‬خشبي‭ ‬ملوّن‭ ‬بزاوية‭ ‬المقهى،‭ ‬صوتها‭ ‬الذي‭ ‬يفيض‭ ‬أنوثةٌ‭ ‬وعنفواناً‭ ‬يردد‭ ‬بقوة‭ ‬أيها‭ ‬الجندي‭ ‬أبق‭ ‬معي‭ ‬قليلا،‭ ‬فتهبط‭ ‬أمام‭ ‬ناظري‭ ‬ملاجئ‭ ‬جبهات‭ ‬الحرب‭ ‬ويبدأ‭ ‬صوت‭ ‬قصف‭ ‬عنيف‭ ‬يدوّي‭ ‬في‭ ‬أذني،‭ ‬وأتذكر‭ ‬بأسى‭ ‬دبابتي‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬محترقة‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬البصرة،‭ ‬تمنيتُ‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬المذياع‭ ‬يبث‭ ‬أغنية‭ ‬عراقية‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬أردت‭ ‬سماع‭ ‬رياض‭ ‬أحمد‭ ‬وهو‭ ‬يغني‭ ‬مرّة‭ ‬ومرّة،‭ ‬أو‭ ‬أغنية‭ ‬يا‭ ‬حريمة‭ ‬بصوت‭ ‬الملحن‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬جواد‭ ‬أموري‭… ‬أفتح‭ ‬اللاب‭ ‬توب‭ ‬على‭ ‬صفحتي‭ ‬بفيس‭ ‬بوك‭ ‬وبزاوية‭ ‬عيني‭ ‬انظر‭ ‬إِلى‭ ‬مقعد‭ ‬يجاورني‭ ‬تجلس‭ ‬عليه‭ ‬بقلق‭ ‬امرأة‭ ‬شقراء‭ ‬بملامح‭ ‬روسية،‭ ‬تبدو‭ ‬ثملة‭ ‬وهي‭ ‬تدخن‭ ‬سيجارة‭ ‬تخدير‭ ‬تدعى‭ ‬مروانة،‭ ‬عرفت‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬رائحة‭ ‬الدخان‭ ‬الحريفة،‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائي‭ ‬التونسيين‭ ‬يدخنها‭ ‬كثيرا‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يعود‭ ‬إِلى‭ ‬وطنه‭ ‬بعد‭ ‬اشتعال‭ ‬ثورة‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬بلون‭ ‬أخضر،‭ ‬المرأة‭ ‬السكرى‭ ‬بملابسها‭ ‬الخليعة،‭ ‬والتي‭ ‬خمّنت‭ ‬موطنها‭ ‬الأصلي‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وعمرها‭ ‬في‭ ‬الثلاثين،‭ ‬تحاول‭ ‬أنْ‭ ‬تقيم‭ ‬حوارا‭ ‬معي‭ ‬لكن‭ ‬وجوم‭ ‬وجهي‭ ‬جعلها‭ ‬تلوذ‭ ‬بصمت‭ ‬جارح،‭ ‬كدت‭ ‬أهتف‭ ‬على‭ ‬النادل‭ ‬حتى‭ ‬يأتيني‭ ‬بكأس‭ ‬من‭ ‬الجعة‭ ‬الأيرلندية‭ ‬السوداء‭ ‬عسى‭ ‬تنشُّ‭ ‬سرب‭ ‬طيور‭ ‬الحزن‭ ‬من‭ ‬قسمات‭ ‬وجهي‭ ‬ومن‭ ‬مهجة‭ ‬قلبي،‭ ‬لكني‭ ‬أحجمت‭ ‬عن‭ ‬رغبتي‭ ‬بوجع‭ ‬مر،‭ ‬متذكرا‭ ‬قراري‭ ‬الذي‭ ‬اتخذته‭ ‬منذ‭ ‬ستة‭ ‬شهور‭ ‬مستغرقاً‭ ‬بصلاة‭ ‬متواصلة‭ ‬وعدم‭ ‬تعاطي‭ ‬الخمرة،‭ ‬فلا‭ ‬تحلو‭ ‬ابنة‭ ‬الكروم‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬وطني‭.‬

حسن‭ ‬النواب


مشاهدات 166
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/01/05 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/01/13 - 4:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 278 الشهر 9326 الكلي 13116749
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير