الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اتفاقيات الأمس وأزمات اليوم: من الجزائر 1975 إلى حدود إيران وباكستان

بواسطة azzaman

اتفاقيات الأمس وأزمات اليوم: من الجزائر 1975 إلى حدود إيران وباكستان

حنان محمود عبد الرحيم.

 

تعود اتفاقية الجزائر الموقعة عام 1975 إلى الواجهة كلما دخلت إيران مرحلة توتر داخلي أو ارتباك إقليمي، ليس بوصفها وثيقة تاريخية تخص العراق وإيران فحسب، بل لأنها تكشف نمطًا متكررًا في سلوك الدولة الإيرانية حين تواجه ضغوطًا داخلية، إذ تميل إلى إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية أو تهدئة جبهات معينة مقابل تصعيد أخرى. هذه المعادلة، التي حكمت ظروف توقيع الاتفاقية قبل عقود، تظهر اليوم بصيغة مختلفة مع تصاعد الأحداث داخل إيران وانعكاساتها المباشرة على الأمن الإقليمي، ولاسيما على الحدود الإيرانية–الباكستانية.

لقد وُقعت اتفاقية الجزائر في سياق سياسي هش داخل إيران أواخر عهد الشاه، حين كان النظام يبحث عن تهدئة نزاعه مع العراق لتأمين حدوده الغربية في ظل تصاعد المعارضة الداخلية. ورغم أن الاتفاقية نجحت مرحليًا في خفض مستوى التوتر، فإنها افتقرت إلى الأسس العميقة التي تضمن ديمومتها، وهو ما أدى إلى انهيارها لاحقًا مع تغيّر موازين القوى. هذا الدرس التاريخي يكتسب أهمية خاصة اليوم، إذ تعيش إيران مجددًا حالة ضغط داخلي تدفعها إلى تبني سياسات خارجية متقلبة، تنعكس آثارها على محيطها الإقليمي المباشر.

 

في هذا الإطار، يبرز موقف باكستان بوصفه عنصرًا أساسيًا في معادلة الاستقرار، نظرًا لطبيعة الجوار الجغرافي والحدود الطويلة المشتركة مع إيران، الممتدة عبر إقليم بلوشستان. فإسلام آباد، التي اتخذت موقفًا حذرًا ومتوازنًا من اتفاقية الجزائر في سبعينيات القرن الماضي، ما زالت تنتهج السياسة نفسها القائمة على تجنب الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة، مع التركيز على حماية أمنها الداخلي وحدودها الغربية. وقد رأت باكستان في الاتفاقية آنذاك خطوة مؤقتة لخفض التوتر في الخليج، دون أن تعوّل عليها بوصفها حلًا دائمًا.

اليوم، يتخذ هذا الحذر الباكستاني بعدًا أكثر تعقيدًا مع تصاعد التوترات الأمنية على الحدود الإيرانية–الباكستانية، خاصة في مناطق سيستان وبلوشستان، التي تعاني تاريخيًا من الهشاشة الأمنية والتداخل القبلي والاقتصادي.

 وقد كشفت التطورات الأخيرة، بما في ذلك الضربات المتبادلة بين الجانبين مطلع عام 2024، عن مدى حساسية هذه الحدود، وعن سرعة تحوّل الأزمات الداخلية الإيرانية إلى تهديدات أمنية عابرة للحدود. فباكستان تنظر إلى أي اضطراب داخل إيران من زاوية تأثيره المباشر على أمنها القومي، وعلى استقرار إقليم بلوشستان الباكستاني الذي يشكل أصلًا إحدى أكثر مناطقها توترًا.

إن التجربة التاريخية لاتفاقية الجزائر، مقترنة بالواقع الأمني الراهن، تؤكد أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر تسويات ظرفية أو تفاهمات مؤقتة، بل عبر معالجة عميقة لجذور الأزمات الداخلية التي تدفع الدول إلى تصدير توترها نحو الخارج. وبالنسبة لباكستان، فإن الحفاظ على أمن حدودها مع إيران يتطلب أكثر من بيانات تهدئة أو تنسيق أمني محدود، بل يستدعي استقرارًا داخليًا حقيقيًا في الجانب الإيراني، يحد من تكرار سيناريوهات التصعيد.

إن ما يجري في إيران اليوم يعيد إنتاج مشهد تاريخي مألوف، حيث تتداخل الأزمات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، وتتحول الحدود إلى خطوط تماس حساسة. وهنا، تظهر اتفاقية الجزائر بوصفها شاهدًا تاريخيًا على أن الاتفاقيات التي تولد في أجواء الاضطراب غالبًا ما تحمل بذور انهيارها. ومن هذا المنطلق، يبقى الأمن الحدودي الإيراني–الباكستاني مرآة صادقة لحقيقة الاستقرار في إيران، ومؤشرًا حاسمًا على قدرة المنطقة على تجاوز دوامة الأزمات المتكررة.


مشاهدات 58
الكاتب حنان محمود عبد الرحيم.
أضيف 2026/01/17 - 3:36 PM
آخر تحديث 2026/01/18 - 12:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 37 الشهر 13010 الكلي 13120433
الوقت الآن
الأحد 2026/1/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير