حين يكون الإنسان أكبر من المنصب
حنان محمود عبد الرحيم
في كل مؤسسة، تأتي لحظات فاصلة تختبر جوهرها الحقيقي. لحظات لا تُقاس بالأنظمة ولا تُفهم من خلال الكتب الإدارية، بل تُقاس بما تتركه في نفوس العاملين فيها. من بين تلك اللحظات، القرارات التي تمسّ أشخاصًا كانوا أكثر من مجرد شاغلي مناصب، أشخاص صنعوا حضورهم بالإنسان قبل الموقع، وبالأثر قبل الصلاحية.
القرار الإداري، بطبيعته، أداة تنظيمية. يُصدر ليعيد ترتيب الهيكل، أو يضبط الإيقاع، أو يواكب تعليمات أعلى. لكنه، مهما بدا رسميًا ومحايدًا، لا يكون بلا أثر إنساني. فخلف كل قرار وجوه، وتجارب، وذاكرة مشتركة، وعلاقات بُنيت على الثقة والاحترام اليومي. وهنا يبدأ الفارق بين من يرى الإدارة أوراقًا، ومن يراها بشرًا.المنصب ليس جوهر القيادة، بل قشرتها الظاهرة. أما القيادة الحقيقية فتتجلى في التفاصيل الصغيرة: في الإصغاء قبل الحكم، وفي الاحتواء قبل المحاسبة، وفي القدرة على أن يشعر الآخرون بالأمان المهني والإنساني معًا. هناك مسؤولون تمرّ فترتهم وكأنها صفحة عادية، وهناك من تتحول تجربتهم إلى علامة فارقة، لأنهم لم يديروا المكان فقط، بل رعوه.حين يُجمَّد منصب أو تُسحب صلاحية، قد يتغير الموقع، لكن القيمة لا تتغير. فالاحترام الذي زُرع، والثقة التي مُنحت، والإنسانية التي مورست، لا تُسحب بكتاب رسمي ولا تُلغى بتعليمات. بل على العكس، في مثل هذه اللحظات تظهر بوضوح مكانة الشخص الحقيقية، حين تتحدث عنه القلوب قبل الألسنة.في التجارب الإدارية الصادقة، لا يُذكر المسؤول الجيد بما وقّع من كتب، بل بما فتح من أبواب، ولا يُستعاد حضوره بقراراته، بل بطريقة تعامله. هناك فرق شاسع بين مسؤول يفرض الهيبة، وآخر يصنع الاحترام. الأول يرتبط بالمنصب، والثاني يبقى حتى بعد غيابه.وتبقى المؤسسات التي تفهم هذا المعنى مؤسسات حيّة، تعرف أن قوتها لا تأتي من صرامة أنظمتها وحدها، بل من إنسانية من يديرها. فالقانون بلا روح يتحول إلى قسوة، والإدارة بلا أخلاق تصبح عبئًا، أما حين تتوازن الأنظمة مع القيم، فإن حتى القرارات الصعبة تمرّ بكرامة.ليس كل غياب انسحابًا، وليس كل تغيير نهاية. بعض الأشخاص لا يغادرون مواقعهم فعليًا، لأنهم يظلون جزءًا من الذاكرة المهنية، ومن الحكاية اليومية للمكان. يبقون في طريقة العمل، وفي أسلوب الحوار، وفي معيار الاحترام الذي اعتاد عليه الجميع.
في النهاية، هناك ما لا تستطيع القرارات أن تمسه، ولا الهياكل أن تغيّره: الأثر الإنساني. وحين يكون الإنسان صادقًا في قيادته، نزيهًا في تعامله، قريبًا في حضوره، يصبح فعلًا… أكبر من المنصب.