مصلحة العراق أولًا… بين ضغط الخارج ولملمة الداخل
عباس النوري العراقي
في ظلّ التصعيد الإقليمي المتسارع، واحتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، يقف العراق اليوم عند مفترقٍ حاسم، لا يحتمل التردّد ولا يسمح بإعادة إنتاج الأخطاء. فالحرب المحتملة على إيران، إن وقعت، لن تكون حرب حدود، بل حرب ساحات، والعراق ـ بحكم الجغرافيا والتاريخ والتركيبة الاجتماعية ـ سيكون في قلب العاصفة إن لم يُحسن إدارة موقعه.
إنّ شيعة العراق، وهم المكوّن الأكبر والأكثر استهدافًا في مثل هذه السيناريوهات، لا ينظرون إلى الأحداث بعينٍ معزولة عن محيطهم المذهبي والإنساني، وفي الوقت ذاته لا يقبلون أن يكون وطنهم وقودًا لصراعات الآخرين. هذا التوازن الدقيق هو ما فشلت فيه حكومات سابقة، وهو ما يجب ألّا يُعاد التفريط به اليوم.
الجدل الدائر حول الأسماء، ومن بينها نوري المالكي، يعكس في جوهره أزمة أعمق: هل نبحث عن “مقبولية دولية” ولو على حساب الداخل، أم نتمسّك بما نراه مصلحة وطنية خالصة ولو أغضبت الخارج؟
الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن مصلحة العراق يجب أن تكون البوصلة العليا، لا الشعار ولا التبرير. لكن مصلحة العراق لا تعني العزلة، ولا الاستفزاز، ولا الاصطفاف الأعمى، بل تعني بناء دولة قادرة على حماية شعبها، وتحييد أرضها، وإدارة علاقاتها بعقل الدولة لا بعاطفة المحاور.
إنّ أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس الضغط الدولي بحد ذاته، بل الانقسام الداخلي، وخصوصًا داخل البيت الشيعي. فالتجربة أثبتت أن الخارج لا يخترق وطنًا متماسكًا، لكنه يجد في الانقسام بوابته الأسهل. من هنا، فإن أي حكومة قادمة ـ مهما كان رئيسها ـ ستكون مطالبة قبل أي ملف خارجي بـ لملمة البيت الشيعي، ووقف نزيف التخوين، وتغليب لغة الشراكة على منطق الإقصاء.
وفي هذا السياق، أرى ـ وأوصي بوضوح ـ أن تضع الحكومة القادمة أولوياتها على النحو الآتي:
أولًا: توفير احتياجات المواطن الأساسية
الأمن الحقيقي لا يبدأ من الحدود، بل من رغيف الخبز، وفرصة العمل، والكهرباء، والخدمات، والكرامة المعيشية. المواطن المطمئن هو السدّ الأول بوجه الفوضى والحرب والاختراق.
ثانيًا: تحصين الداخل الشيعي قبل أي مواجهة خارجية
لا يمكن للعراق أن يتحمّل صراعًا شيعيًا–شيعيًا في لحظة إقليمية حرجة. الوحدة هنا ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية.
ثالثًا: تحييد العراق عن الحرب دون التفريط بالسيادة
لا أن يكون العراق رأس حربة، ولا ساحة ردّ، ولا ساحة تصفية حسابات، بل دولة ذات قرار، تقول “لا” للحرب حين تكون “لا” في مصلحة شعبها.
رابعًا: إدارة العلاقة مع المجتمع الدولي بعقلانية لا تبعية
المقبولية الدولية مهمة بقدر ما تخدم الاستقرار، لكنها لا يجب أن تتحوّل إلى وصاية على القرار الوطني، ولا إلى بوابة لفرض خيارات مرفوضة شعبيًا.
إنّ التاريخ القريب يعلّمنا أن الدول لا تسقط فقط بالقنابل، بل تسقط حين تعجز عن حماية مواطنيها، وحين تفشل نخبها في قراءة اللحظة. والعراق اليوم لا يحتاج إلى زعيم محور، ولا إلى واجهة مطمئنة للخارج فحسب، بل إلى قيادة دولة، تدرك أن حفظ الداخل هو الطريق الأقصر لتفويت أخطر المؤامرات.
هذه ليست دعوة لأشخاص، بل نداء لعقل الدولة:
العراق أولًا… والمواطن أولًا… ووحدة الداخل قبل كل شيء.