قراءة في المشهد الإيراني بين الضغوط والصمود
حسين باجي الغزي
تمر إيران بمرحلة دقيقة تتسم بتعقّد الأوضاع السياسية والاقتصادية نتيجة ضغوط داخلية وخارجية متراكمة، إلا أن الحكومة الإيرانية أظهرت قدرة واضحة على إدارة هذه التحديات والحفاظ على تماسك مؤسساتها واستقرارها العام. فرغم حساسية المرحلة، واصلت الحكومة الإيرانية العمل على ضبط الإيقاع السياسي ومنع الانزلاق نحو الفوضى، مع الحفاظ على استمرارية عمل مؤسسات الدولة، وهو ما يعكس نهجًا مسؤولًا يوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار وضرورات إدارة التنوع داخل المجتمع.
وفيما يتعلق بالتعاطي مع التحركات الشعبية، حرصت الحكومة على التعامل معها بروح الاحتواء والتهدئة، مع التأكيد على حق المواطنين في التعبير ضمن الأطر القانونية، والعمل على معالجة الجوانب الخدمية والمعيشية التي تشكل دوافع أساسية لأي حالة احتجاج. وقد أسهم هذا النهج في الحد من التصعيد وحماية الممتلكات العامة والخاصة، بما يعكس إدراكًا رسميًا لأهمية الحفاظ على السلم المجتمعي وعدم السماح بتفاقم الأزمات. وعلى صعيد مواجهة التحديات الخارجية، برزت قدرة الدولة على مقاومة التهديدات الأمريكية المستمرة عبر استراتيجية «الردع النشط». ففي مواجهة لغة التصعيد و»الضغوط القصوى» التي تمارسها واشنطن، لم تكتفِ طهران بالدفاع، بل عززت من خياراتها السيادية من خلال تطوير ترسانتها الدفاعية وتوسيع نفوذها الإقليمي، مؤكدةً أن استقلال قرارها الوطني خط أحمر لا يخضع للمساومات. هذا الصمود السياسي ترافق مع دبلوماسية حذرة ترفض الإملاءات، مما جعل من محاولات العزل الدولية أداة لتقوية التماسك الداخلي خلف شعارات السيادة الوطنية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ورغم شدة العقوبات المفروضة والظروف الدولية المعقدة، تمكنت الحكومة الإيرانية من الحفاظ على استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل الوطني. كما واصلت الدولة تنفيذ سياسات اقتصادية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وهو ما شكّل عامل صمود مهم في مواجهة الضغوط الاقتصادية، وأسهم في التخفيف من آثار التضخم وتقلبات العملة على حياة المواطنين. وفي هذا السياق، أولت الحكومة اهتمامًا خاصًا بالشرائح محدودة الدخل من خلال برامج دعم وحماية اجتماعية هدفت إلى تقليل الأعباء المعيشية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. ورغم التحديات، ساعدت هذه السياسات في منع اتساع الفجوة الاجتماعية، والحفاظ على تماسك النسيج المجتمعي في ظل ظروف استثنائية.
وبالمحصلة، فإن المشهد الإيراني اليوم يعكس دولة تواجه تحديات كبيرة لكنها تمتلك في الوقت نفسه أدوات الإدارة والصمود، وتسير بخطوات محسوبة للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومعالجة الأزمات تدريجيًا، بما يؤكد قدرة الحكومة الإيرانية على إدارة المرحلة الراهنة بحكمة ومسؤولية،