الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الروح الغائبة في خطاب الوعظ

بواسطة azzaman

الروح الغائبة في خطاب الوعظ

نوري جاسم

 

ليس كل ما يُقال باسم الله يحمل نَفَس وروح ومراد الله. وليس كل من يرفع صوته واعظًا يوقظ القلوب. في زمنٍ تضخّم فيه خطاب الوعظ حتى صار في أغلب الأحيان ضجيجًا يوميًا، نكتشف – بهدوء موجع – أن شيئًا جوهريًا قد غاب: الروح. تلك اللمسة الخفية التي تجعل الكلمة حياة، وتجعل النص طريقًا، وتجعل الخطاب عبورًا من القسوة إلى الرحمة، ومن الخوف إلى المعنى.

ما نراه اليوم في كثير من منابر الوعظ ليس قسوة فحسب، بل جفافًا روحيًا. كلمات محفوظة، أحكام جاهزة، تقسيمات حادة: مؤمن وكافر، ناجٍ وهالك، طاهر ونجس. كأن الوعظ لم يعد فنًّا لشفاء الإنسان، بل آلية لفرزه. لم يعد جسراً بين الإنسان وربه، بل صار جدارًا بين الإنسان ونفسه. والواعظ الذي لا يحمل في صوته رجفة المحبة، لا يمكنه أن يدلّ على الله. والخطيب الذي لا يعرف وجع الإنسان، لن يعرف كيف يخاطب روحه. ولقد تحوّل كثير من خطاب الوعظ إلى محكمة لا إلى حضن. إلى منصة اتهام لا إلى مقام احتواء. إلى خطاب يكثر فيه “يجب” و“يحرم” و“سيقع بك العذاب”، ويغيب عنه السؤال الأعمق: كيف نُعيد الإنسان إلى نفسه؟ كيف نداوي خوفه؟ كيف نوقظ شوقه؟ الروح لا تُخاطَب بالتهديد والوعيد الروح تُخاطَب بالصدق والترغيب،

جماعات خائفة

لكن الخطاب الوعظي السائد اليوم يخاف الصدق، لأنه مكلف. الصدق يعني أن تقول: نحن أيضًا نخطئ. الصدق يعني أن تعترف أن الدين ليس سيفًا بل نور وهدى ورحمة، الصدق يعني أن تفهم أن الله لم يرسل أنبياءه ليصنعوا جماعات خائفة، بل قلوبًا حرة. ولقد استبدل كثير من الوعّاظ المعنى بالضبط، والروح بالسلطة، والمحبة بالانضباط القهري. صاروا أكثر حرصًا على “صورة المتدين” من حقيقة الإنسان. صاروا حراس سلوك لا مرشدي قلوب. وهنا تقع الكارثة: حين ينفصل الدين عن الروح، يتحول إلى أيديولوجيا. وحين يُنفصل الوعظ عن الرحمة، يتحول إلى عنف ناعم. وحين تُنفصل الشريعة عن الأخلاق، تتحول إلى نظام قمع باسم السماء. والخطاب الذي لا يبكي مع الناس لا يحق له أن يعظهم. والكلمة التي لا تمر عبر القلب لا تصل إلى القلب. وفي التراث الروحي العميق – الصوفي والعرفاني والإنساني – كان الواعظ طبيبًا، لا قاضيًا. كان يدلّ على الله عبر الجمال، لا عبر الخوف. كان يعرف أن الطريق إلى التوبة ليس الرعب، بل الانكشاف الداخلي؛ أن يرى الإنسان نفسه كما هي، فيخجل لا من العقوبة، بل من ضياع النور. اليوم، نرى خطابًا يزرع الخوف أكثر مما يوقظ الضمير.

يربّي الناس على الطاعة، لا على الوعي. على الامتثال، لا على المحبة. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث للدين. فالدين الذي لا يصنع إنسانًا رحيمًا، لا يصنع شيئًا. والوعظ الذي لا يجعل القلب أكثر رقة، يجعل المجتمع أكثر قسوة. والخطيب الذي لا يرى الإنسان قبل العقيدة، سيحوّل العقيدة إلى أداة تكسير. إن الروح غائبة لأن الخطاب فقد التواضع أمام سرّ الإنسان. لأن الوعظ نسي أن الله أقرب إلى الإنسان من كل خطاب عنه. لأننا أردنا أن نضبط الناس، لا أن نفهمهم. ونحن لا نحتاج إلى مزيد من الأصوات العالية. بل نحتاج إلى قلوب أعلى. نحتاج إلى خطاب يعيد وصل ما انقطع بين الإنسان وربه، لا أن يزيد الفجوة. نحتاج إلى واعظ يعرف أن الله لا يُخيف، بل يُنقذ. وأن الجنة لا تُبنى بالترهيب، بل بالتحول الداخلي. وأن أعظم دعوة هي أن يرى الناس فيك إنسانًا أفضل. حين تعود الروح إلى الوعظ، سيعود الدين جسراً، لا جداراً. وسيعود الله حضوراً، لا سلاحاً. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..


مشاهدات 294
الكاتب نوري جاسم
أضيف 2026/01/13 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/01/14 - 3:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 152 الشهر 9997 الكلي 13117420
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير