امريكا وغرينلاند.. الجليد الذي يخفي رهانات كبرى
عبد القادر حداد
ليست كل الأراضي المتجمدة بلا قيمة، وليست كل الجزر النائية خارج حسابات القوة، فغرينلاند، التي تبدو على الخريطة ككتلة جليدية صامتة في أقصى شمال العالم، تحوّلت في العقل الاستراتيجي الأمريكي إلى إحدى أهم أوراق النفوذ في النظام الدولي القادم. إن الاهتمام الأمريكي بغرينلاند لا ينبع من لحظة سياسية عابرة، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في فهم واشنطن لطبيعة الصراع العالمي، حيث عادت الجغرافيا، بعد عقود من تهميشها لصالح العولمة، لتفرض نفسها بوصفها أساس القوة الحقيقية . تقع غرينلاند في موقع لا يتكرر كثيرًا في الجغرافيا السياسية، فهي تشكل نقطة التقاء بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتقف عمليًا على بوابة القطب الشمالي، وهو الإقليم الذي يتجه ليصبح أحد أهم مسارح التنافس الدولي خلال العقود القادمة. هذا الموقع يمنح الجزيرة قيمة استراتيجية استثنائية، لأنها تقع على مسارات جوية حيوية تُستخدم في الرحلات العابرة للقارات، أي الرحلات التي تربط بين قارات مختلفة مثل أمريكا وأوروبا أو أمريكا وآسيا، وهذه المسارات تمر غالبًا عبر الشمال لتقليل المسافة والوقت. السيطرة أو النفوذ في غرينلاند يعني القدرة على مراقبة هذه الحركة الجوية الكثيفة، وتأمينها، واستخدامها ضمن منظومة الأمن القومي، وهو بُعدٌ اساسي في حسابات الدول الكبرى . ولا يتوقف الأمر عند الطيران المدني، بل يمتد إلى البعد العسكري، حيث تمثل غرينلاند نقطة متقدمة في منظومة الدفاع الأمريكية، خاصة مع وجود قاعدة " ثولي " الجوية في شمال غرينلاند، والتي تعد جزءًا من شبكة الإنذار المبكر لواشنطن ضد الصواريخ الباليستية. في عالم تتصاعد فيه المخاوف من عودة سباق التسلح النووي، تصبح هذه القاعدة أداة حيوية لرصد أي تهديد محتمل قادم من الشمال، خصوصًا من روسيا، ما يجعل الجزيرة ليست مجرد أرض، بل عنصرًا مباشرًا في معادلة الردع الاستراتيجي الأمريكي . إلى جانب الأمن، تبرز غرينلاند بوصفها كنزًا اقتصاديًا مؤجلًا. فذوبان الجليد الناتج عن التغير المناخي، رغم مخاطره البيئية، فتح الباب أمام إعادة اكتشاف ما تخفيه الجزيرة من ثروات طبيعية هائلة، تشمل معادن نادرة تدخل في صلب الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، إضافة إلى اليورانيوم واحتمالات كبيرة بوجود النفط والغاز . في هذا السياق، لا تنظر الولايات المتحدة إلى غرينلاند باعتبارها موردًا حاضرًا فقط، بل باعتبارها ضمانة استراتيجية للمستقبل، في عالم يتزايد فيه الصراع على الموارد وسلاسل الامداد . هنا تحديدًا يظهر البعد الجيوسياسي الأكثر حساسية، فالصين تسعى منذ سنوات إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في القطب الشمالي عبر الاستثمارات والبنية التحتية والتعدين، بينما تعمل روسيا على عسكرة المنطقة وتعزيز وجودها العسكري فيها. بالنسبة لواشنطن، فإن ترك غرينلاند مفتوحة أمام هذا التمدد يعني السماح بحدوث اختلال خطير في ميزان القوى في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. لذلك، فإن الاهتمام الأمريكي بالجزيرة يندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى احتواء الخصوم ومنعهم من تحويل القطب الشمالي إلى منطقة نفوذ مغلقة . ويضاف إلى ذلك بُعد لا يقل أهمية يتمثل في الممرات البحرية الجديدة التي بدأ الجليد المنحسر بكشفها، والتي تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا بشكل كبير. هذه الممرات لا تمثل مجرد طرق تجارية، بل أدوات نفوذ اقتصادي وسياسي، ومن يملك القدرة على التأثير فيها يمتلك ورقة ضغط في التجارة العالمية. وجود غرينلاند في قلب هذه التحولات يمنح من يسيطر عليها موقعًا متقدمًا في إدارة حركة التجارة المستقبلية . وعند النظر إلى هذا الاهتمام ضمن سياقه التاريخي، يتضح أن الولايات المتحدة لم تكن يومًا غافلة عن قيمة غرينلاند، فقد حاولت شراء الجزيرة في منتصف القرن العشرين، تمامًا كما اشترت ألاسكا في القرن التاسع عشر، ضمن رؤية استراتيجية تقوم على تأمين المجال الحيوي الأمريكي بعيدًا عن حدودها المباشرة. هذا السلوك يعكس فلسفة أمريكية ثابتة مفادها أن السيطرة على الجغرافيا الحاسمة اليوم تمنع المخاطر غدًا . في المحصلة، فإن غرينلاند ليست جزيرة ثلجية هامشية، بل نقطة التقاء نادرة بين الأمن العسكري، الموارد الاقتصادية، والممرات الجوية والبحرية العالمية. واهتمام الولايات المتحدة بها يعكس إدراكًا عميقًا بأن صراعات المستقبل لن تُحسم فقط في العواصم السياسية، بل في المناطق التي تبدو على الخريطة بعيدة وصامتة، لكنها في الواقع تصنع ميزان القوة العالمي .