فتاة الكورنيش .. حين يسقط القناع الأخلاقي
أفراح شوقي
جريمة هزّت ضمير المجتمع العراقي وأحزنته بعمق. لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل نكسة أخلاقية خطيرة طفت على السطح بعد أن تعفّنت التربة وتهرأت منظومة القيم، في ظل انشغال أوليّ الأمر بصراعات السلطة والمناصب، على حساب أداء مهامهم الأساسية في رصد الظواهر الاجتماعية الخطيرة ووضع حلول واقعية ومستدامة لها.
لسنواتٍ مضت، أطلق ناشطون ومواطنون نداءات متكررة تحذّر من تدنّي القيم الأخلاقية داخل المجتمع، ولا سيما في أوساط الشباب، بالتوازي مع استفحال مشكلاتهم الاقتصادية والنفسية، وتراجع جودة التعليم الحكومي، مقابل الارتفاع المرهق لأجور المؤسسات التعليمية الأهلية، فضلًا عن ضعف دور الأسرة في المتابعة والتوجيه، وغياب الرقابة المجتمعية الفاعلة. حادثة التحرش الجماعي بفتاة مراهقة في كورنيش البصرة لم تكن صادمة بسبب فداحة الفعل فقط، بل لأنها وقعت في مكان عام، وأمام أنظار العشرات، وفي لحظة كان يُفترض أن تكون مساحة للفرح والأمان. هذه الواقعة زرعت الخوف في قلوب عوائل عراقية كثيرة، باتت اليوم تتوجّس من السماح لبناتها بالخروج، خشية أن يتكرّر المشهد ذاته، في ظل شعور عام بأنّ الفضاءات العامة لم تعد آمنة كما ينبغي.
إن ملاحقة المتورطين وتشديد العقوبات بحقهم، وتفعيل القوانين الخاصة بحماية النساء في الأماكن العامة، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الظرفية أو البيانات الرسمية، لا تكفي وحدها. فالمطلوب تبنّي برامج توعوية وتربوية حقيقية تستهدف المدارس والجامعات، والحذر من خطورة تطبيع العنف والتحرش، أو تبريرهما بخطابات اجتماعية مريضة تُحمّل الضحية المسؤولية بدل الجناة.
ولعل الطامة الكبرى هي انتقال صدى الحادثة إلى الفضاء العربي، بعد أن تناولت وسائل إعلام عربية كبرى القضية بوصفها مثالًا صارخًا على معاناة النساء في العراق، في وقت كانت الغيرة العراقية، ومفاهيم الرجولة والنخوة، العناوين الأبرز التي طالما قدّم بها المجتمع العراقي نفسه. إن حادثة كورنيش البصرة لا تضع المتحرشين وحدهم في قفص الاتهام، بل تضع المجتمع والدولة معًا أمام اختبار أخلاقي حقيقي. فالقضية لم تعد مرتبطة بواقعة فردية أو لحظة انفلات، بل بمنظومة صمت، وتبرير، وتقصير، سمحت للجريمة أن تحدث في وضح النهار وأمام الجميع. إمّا مواجهة شجاعة وجذرية لأسباب الانحدار الأخلاقي، تبدأ من التعليم والأسرة، ولا تنتهي عند القانون وتطبيقه بعدالة، أو الاستمرار في الإنكار والتبسيط، لتتحوّل «فتاة الكورنيش» من صدمة عابرة إلى عنوان متكرر، ينهك صورة المجتمع، ويقوّض ما تبقّى من ثقته بنفسه، وبأمنه، وبسمعته أمام العالم.