صانعو العدو ..المثال الفنزويلي
كيف تخوض أمريكا الحرب داخل عقولنا؟
بيروت - سلام القدسي
قبل أن ينطلق الصاروخ الأمريكي، تنطلق الكذبة الأمريكية.
قبل أن تقصف الطائرة، يقصف الإعلام.
قبل أن تحتل الأرض، يتم احتلال العقل.
هذه ليست نظرية مؤامرة، بل دليل تشغيل الإمبراطورية
ففي هذا العالم لم تعد فيه الحروب تخاض بالدبابات وحدها، بل بالكلمات والصور والتغريدات، أصبحت «أمريكا» التي نعرفها لا تمثل شعباً أو أرضاً، بل سردية مبرمجة، سردية تُصدر للتصدير، كأي منتج هوليوودي، لتُظهر القوة كعدالة، والعدوان كرحمة، والاستعمار كتحرير.
الحرية لا تُمنح من قاتل، والكرامة لا تُهدى من سارق، والاستقلال لا يوهب من مستعمر.
«تابعت عملية القبض على مادورو عبر شاشة تلفزيونية»، بهذه العبارة العابرة، لم يكن ترامب يصف حدثاً، بل كان يكشف فلسفة كاملة، وفلسفة تحول الدول إلى استوديوهات، والشعوب إلى كومبارس، والغزوات إلى حلقات مسلسل، وهو بهذا يريد ايصال رسالة حياتكم مجرد برنامج تلفزيوني، ونحن من يملك جهاز التحكم.
انها لغة الغزاة الجدد.. حين يصبح الإذلال خطاباً «قلت لمادورو: عليك الاستسلام». ليست هذه كلمات زعيم دولة، بل كلمات سيد لمُستعبَد، إنها نفس لغة روما القديمة حين كانت تسوق الملوك مكبلي الأيدي في مواكب النصر. لكن الفارق أن روما كانت صريحة في عدوانيتها، أما إمبراطورية القرن الحادي والعشرين فتصف غزوها بـ»الواجب الأخلاقي».
المفارقة: نغزوكم لأننا مضطرون! نكسر قوانين العالم لأن الظروف الجوية أصبحت مثالية!
والى صناعة الأعداء.. من الخصم السياسي يواصل اقبح رئيس امريكي اكاذيبه كشيطان قائلا اليوم مادورو «مهرب كوكايين»، وغداً أي رئيس يرفض الخضوع سيكون «إرهابياً»، وبعد غد «مجرم حرب». آلة التصنيف الأمريكية لا تتوقف، فهي لا تحارب أنظمة، بل تُشيطِن أفراداً.والسؤال: متى كان آخر مرة قدمت فيها أمريكا دليلاً؟ متى كانت محاكمة؟ لا حاجة لذلك حين تكون المحكمة هي القنابل، والقاضي هو البنتاغون.لاتهام مادورو بتجارة المخدرات، بينما:
· أكبر مستهلك للمخدرات في العالم هو أمريكا
· أكبر تمويل للميليشيات بالمخدرات كان من وكالة الاستخبارات الأمريكية
· تاريخ المخابرات الأمريكية حافل بتهريب المخدرات لتمويل «الحروب السرية»
من المكسيك إلى البرازيل، صرخة واحدة: «انتهاك للمادة الثانية من الميثاق». لكن من يسمع؟
فالصوت الأمريكي يعلو فوق كل الأصوات، كأنما سيادة الدول الفقيرة مجرد حبر على ورق ولكون ميثاق الأمم المتحدة وثيقة مقدسة.. إلا في حالة إذا قررت واشنطن أنه غير مقدس اذا ارادت ذلك.
لماذا يكره العالم أمريكا؟
ليس لأنها قوية، بل لأنها تستعمل قوتها كساطور.
ليس لأنها ديمقراطية، بل لأنها تصدر دكتاتورية جديدة باسم الديمقراطية.
يقولون للشعب الفنزويلي: «جئنا لتحريركم!»بينما هم يسرقون نفطهم، ويسجنون رئيسهم، ويفرضون عليهم حاكماً من اختيار واشنطن.
ان امريكا اليوم تشن حربا ادراكية على عقول الشعوب فماهي الحرب الادراكية؟
الحرب الإدراكية هي معركة على العقل والقلب والروح، هي حرب لتحديد:
· ما نصدقه
· من نكرهه
· من نثق به
· كيف نفسر الأحداث
في عالم اليوم، من يسيطر على السردية يسيطر على الواقع. وأخطر شيء أن كثيرًا من الناس يخوضون هذه الحرب وهم لا يدركون أنهم في ساحة معركة.
ما هي الحرب الإدراكية؟
هي حرب تستهدف العقل البشري والإدراك، بهدف التحكم في كيفية تفكير الأفراد واتخاذهم للقرارات، وتشكيل معتقداتهم وقيمهم. إنها ليست حربًا بالسلاح، بل حرب بالمفاهيم والأفكار والمعلومات.
التشبيه البسيط: إذا كانت الحرب التقليدية تستهدف الجسم، والحرب الإلكترونية تستهدف الأجهزة، فإن الحرب الإدراكية تستهدف العقل والروح، ومن اهم اهداف الحرب الادراكية الاتي:
1. تدمير الثقة: ليس ثقة الناس بحكومتهم فقط، بل:
· الثقة بالمؤسسات (الإعلام، القضاء، العلم)
· الثقة بالتاريخ والهوية الوطنية
· الثقة بالواقع نفسه («ما الحقيقي وما المزيف؟»)
2. تشويه الإرادة: جعل الشعب:
· يشك في قدرته على المقاومة
· يتقبل الهزيمة على أنها قدر محتوم
· يرى عدوه على أنه لا يقهر
3. تفتيت المجتمع: خلق:
· انقسامات داخلية (شباب و كبار، عرقية وطوائف،مذاهب واديان، افكار دينية وعلمانية)
· شكوك متبادلة بين المواطنين
· حالة من الشلل واللامبالاة الجماعية ومن اهم ادوات الحرب الادراكية الاتي:
1. التضليل الإعلامي المنظم:
· نشر أخبار كاذبة.
· استخدام «حقائق» حقيقية ولكن بنسب وتواريخ وخلفيات مغلوطة.
· صناعة سرديات بديلة للتاريخ
2. وسائل التواصل الاجتماعي:
· حسابات وهمية (Bots) تنشر الشائعات
· خوارزميات تظهر للمستخدم فقط ما يضعفه ويثير خوفه
· غرف الصدى (Echo Chambers) حيث يسمع الناس فقط من يؤكد تحيزاتهم
3. البروباغاندا النفسية:
· مقاطع فيديو معدلة (Deepfakes) لزعماء وهم يصابون بالذعر
· تسريبات مزيفة تظهر فساد القادة
· تهديدات نفسية غير مباشرة («نعرف كل شيء عنكم»)
4. الاستغلال الثقافي:
· دعم الأفكار المتطرفة داخل المجتمع المعادي.
· تشويه الرموز الثقافية والدينية.
· نشر ثقافة الاستهلاك والفردية لتفتيت التضامن الاجتماعي.
ويبرز السؤال لماذا الحرب الإدراكية أخطر من الحرب العسكرية؟
1.لانها لا تعترف بالحدود: تخترق الهواتف والأفكار دون حاجة للجيوش.
2. الضحايا لا يعرفون أنهم ضحايا: قد تدافع عن فكرة هي في الأصل زرعها عدوك في عقلك.
3. تأثير طويل الأمد: قد تستمر تأثيراتها لأجيال بعد انتهاء الحرب العسكرية.
4. صعوبة الدفاع: كيف تدافع عن عقول ملايين الأشخاص في وقت واحد؟
ما تصفه عن «أمريكا تُظهر قدراتها لتقويض ثقة الجنود» هو بالضبط جزء من الحرب الإدراكية، حتى لو لم تحدث العملية فعليًا:
· الهدف الإدراكي: زرع فكرة «المقاومة مستحيلة» في عقول القادة والجنود الفنزويليين.
عقل مهزوم
· الطريقة: نشر سردية (صحيحة أو كاذبة) عن قدرات لا تقهر.
· التأثير: لو صدق الفنزويليون هذه السردية، فقد يستسلمون دون قتال، العقل المهزوم يقود إلى جسد مهزوم،
هذا المقال ليس كراهية لأمة، بل رفض لآلة حرب إدراكية تريد تحويل البشر إلى مشاهدين، والوطن إلى سيناريو، والكرامة إلى مشهد تلفزيوني.العالم لا يكره الشعب الأمريكي، العالم يرفض أن تكون أمريكا الرسمية سجاناً للعالم، ومخرِجاً لمسرحيات الدمى، ومديراً لحرب إدراكية هدفها الأخير: قتل إنسانيتنا جميعاً.