الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فنزويلا والخطف السهل.. عنجهية القوة وحدود السيادة

بواسطة azzaman

فنزويلا والخطف السهل.. عنجهية القوة وحدود السيادة

علاء العاني

 

لم يكن ما جرى في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، من خطف الرئيس الفنزويلي المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته، حدثاً امنياً عابرًا، بل واقعة سياسية خطيرة تحمل دلالات عميقة تتجاوز فنزويلا إلى النظام الدولي برمته، وتعيد طرح سؤال السيادة وحدود القوة وعنجهية القرار في عالم لم يعد يعترف إلا بمنطق التفوق.

وقبل خمسةٍ وعشرين عاماً، وتحديدًا في أيلول/سبتمبر من عام 2000، كنتُ شاهداً على مشهد مختلف تمامًا في العاصمة الفنزويلية كراكاس، حين استضافت اجتماعًا لوزراء النفط والثقافة والإعلام في دول منظمة أوبك، تمهيدًا لقمة زعماء المنظمة لمناقشة استراتيجيات النفط المستقبلية. وكان العراق حاضرًا بوفد رسمي وثقافي  وكنت ضمن الوفد الثقافي في ذلك الاجتماع .

وعلى هامش القمة، تقرر تنظيم أسبوع ثقافي، أُسندت مهمة إقامته إلى العراق، فشارك بعدد من الفعاليات النوعية، أبرزها عرض خاص لدار الأزياء العراقية، وعروض موسيقية لفرقة بغدادية ضمن نشاطات الفرقة القومية للفنون الشعبية، فضلًا عن معرض لوحات لعدد من كبار الفنانين التشكيليين العراقيين. وقد شكل هذا الأسبوع يومها صورة مشرقة عن الثقافة العراقية وحقق نجاحًا لافتًا بكل المقاييس.

تحصينات مشددة

كان مقر إقامة الوفد العراقي في أحد الفنادق الفخمة وسط كراكاس، قريبًا جدًا من القصر الرئاسي الفنزويلي والمطل مباشرة على أحد شوارعها الرئيسية. القصر نفسه كان صرحاً معمارياً جميلاً وبسيطاً، لكن ما استوقفني آنذاك  هو بساطة حمايته إذ لم تكن هناك تحصينات مشددة ولا مظاهر عسكرة، بل أعداد محدودة من الشرطة العسكرية في مشهد غير مألوف مقارنة بما اعتدناه في قصور الحكم حول العالم.

الأكثر غرابة أن مكتب الرئيس الراحل هوغو تشافيز كان أقرب إلى الشارع من بقية أروقة القصر، وله شرفة تطل مباشرة على الشارع العام، اعتاد أن يخاطب منها المواطنين. كان المار يسمع هتافات من قبيل: «تشافيز… أنا بحاجة إلى مساعدتك»، ويُقال إن كثيرا ًمن القضايا كانت تُحل عبر هذا الحوار المباشر والبسيط. لم يكن الرئيس يسكن ثكنة عسكرية بل قصراً مفتوحا على الناس، إيمانا منه بأن الحماية الحقيقية تأتي من ثقة الفقراء والبسطاء الذين يحيطون بالقصر، ويسكنون أحياء متواضعة تحيط به.

عند استحضار تلك المشاهدات اليوم، وربطها بما جرى في 3/1/2026، تتضح صورة مفارِقة , فعملية خطف رئيس منتخب في قلب عاصمته لم تكن من حيث التنفيذ، مهمة معقدة في ظل هذا الواقع الأمني المفتوح لكن الخطورة لا تكمن في سهولة التنفيذ، بل في الدلالة السياسية والقانونية لما جرى.

فالعملية المنسوبة إلى وحدة العمليات الخاصة الأولى في القوات الخاصة الأميركية (دلتا)، تمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، وخرقاً فاضحاً للحصانة القانونية لرئيس منتخب، ومخالفة واضحة لأحكام القانون الدولي والأعراف المستقرة التي تحكم علاقات الدول. ومهما تنوعت التبريرات الأميركية، فإن هذا السلوك يضع الولايات المتحدة أمام مساءلة قانونية وأخلاقية دولية، بل وحتى أمام الرأي العام داخلها.

وإذا ما طُرح السؤال: هل ما جرى عمل عسكري تقليدي؟ فإن الإجابة الأوضح أنه أقرب إلى نموذج جديد من الحروب، حروب تُدار بالعقل قبل السلاح، وبالتكنولوجيا والاختراق السيبراني والمعلوماتي أكثر مما تُدار بالجيوش الجرارة. إنها رسالة سياسية موجهة إلى الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، وإلى بعض الدول في أوروبا وأميركا اللاتينية وتحديدا كولومبيا والمكسيك ، مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها لا بعدد الجنود، بل بتفوق التكنولوجيا، وذكاء الأنظمة، وسرعة اتخاذ القرار، وإحكام السيطرة.

موقع طبيعي

غير أن هذه الرسالة، مهما بدت صاخبة وقاسية وعدوانية ، لا تُلغي حقيقة راسخة في تاريخ الأمم، وهي أن الشعوب التي تؤمن بذاتها، وتستثمر في عقول أبنائها قادرة على استعادة موقعها الطبيعي بين الأمم. فالقوة في عالم اليوم لم تعد حكرا على السلاح، بل باتت نتاجاً للعلم والبحث العلمي والمعرفة والتكنولوجيا، وحسن إدارة الموارد، وهي أدوات أصبحت متاحة لكل من يمتلك الإرادة والرؤية.

والأمة العربية، بما تملكه من ثروات طبيعية هائلة، وموقع جغرافي استراتيجي، وعقل بشري عربي أثبت قدرته على الإبداع حين تتوافر له البيئة السليمة قادرة على أن تكون فاعلاً مؤثرا في النظام الدولي، لا تابعا ولا ساحةً للصراعات. غير أن ذلك يظل مرهونا بتجاوز أمراض التفكك، ونبذ العصبيات العنصرية والعرقية والطائفية، وإشاعة ثقافة المواطنة، وبناء الدولة على أساس الكفاءة والمعرفة، واختيار الرجل المناسب في المكان المناسب.

إن الطموح العربي المشروع لا يقوم على منازعة الآخرين أو تهديدهم، بل على بناء نموذج حضاري يقوم على العلم والسلم والحوار واحترام التنوع، وإدارة الاختلاف بعقل الدولة لا بغرائز الانقسام. وبهذا وحده تستطيع الأمة العربية أن تحمي شعوبها وتصون مواردها، وتفرض احترامها وتستعيد دورها الطبيعي في عالم لا يحترم إلا من يحترم نفسه.

 

 

 

 


مشاهدات 34
الكاتب علاء العاني
أضيف 2026/01/04 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/01/05 - 3:45 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 585 الشهر 3265 الكلي 13110688
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير